د. محمود خليل د. محمود خليل أكذوبة «الجماعة الاستثنائية»
الأحد 09-09-2018 | PM 10:03

يستطيع المراجع للتاريخ الإسلامى أن يؤرخ لفكرة الجماعة الممتازة أو الاستثنائية بالأيام الأخيرة فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم. من المعلوم أن النبى نعى نفسه إلى المسلمين فى حجة الوداع (فى شهر ذى الحجة من السنة العاشرة للهجرة)، يحكى ابن كثير فى «البداية والنهاية» أن النبى وقف على عرفات خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن عبداً من عباد الله قد خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله». والأرجح أن النبى -صلى الله عليه وسلم- توفى بعد هذه الخطبة بنحو ثلاثة أشهر (فى 12 ربيع الأول فى السنة الحادية عشرة للهجرة).

وتقديرى أن هذه الفترة بدأت تشهد نوعاً من الترتيب -من جانب الصحابة الأجلاء- لشكل الحياة بعد وفاة النبى، وربما يكون النبى -صلى الله عليه وسلم- قد أحس بهذا الأمر، وبدأ يتوجس منه، بسبب ظهور بعض التجاذبات داخل الصف المسلم، وانخراط كبار الصحابة -رضوان الله عليهم- فى ترتيبات تمهِّد لعملية انتقال السلطة من بعده والخروج من دولة «النبوة» إلى دولة «السياسة والحكم». وقد بدأ هذا الأمر منذ اللحظات الأولى التى شرع المرض يتسلل فيها إلى جسد النبى الطاهر ليؤذن بالنهاية، فوقتها بدأ النبى -صلى الله عليه وسلم- يشعر بالإشكالية التى يمكن أن يقع فيها المسلمون من بعده بسبب التنازع على الحكم. وهو التنازع الذى كان يستند دائماً إلى فكرة «الجماعة الممتازة»، فكان يردد فى زيارته الأخيرة لمقابر البقيع: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، لو تعلمون ما نجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها والأخيرة شر من الأولى».

ولو أنك قرأت ما دار فى سقيفة بنى ساعدة من حوارات بين كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، فستجد أن أغلبهم كان يجتهد فى تقديم مستندات نبوية تدعم فكرة امتياز شخص أو رهط أو قبيلة من بين المسلمين. وقد سبق مشهد الصحيفة تحضيرات تعاصرت مع مرض النبى صلى الله عليه وسلم، وانعكست على خطاب جميع الأطراف المتحاورة داخل سقيفة بنى ساعدة. ظهر التنافس على أشده بين الأوس والخزرج فى حزب الأنصار، ورأى الخزرج بقيادة سعد بن عبادة -رضى الله عنه- فى أنفسهم امتيازاً وجدارة بالقوامة على المسلمين، وهو ما أنكره نفر من قبيلة الأوس، المنافس التقليدى للأوس قبل الإسلام، فهرولوا إلى عمر بن الخطاب يخبرونه باجتماع القوم فى السقيفة على «سعد»، فتحرك عمر وأبوبكر إلى الموقع سريعاً، ودافعا بقوة عن امتياز المهاجرين، ليتم حسم الأمر فى النهاية استناداً إلى فكرة «الجماعة الاستثنائية» التى خصها النبى -صلى الله عليه وسلم- بالحكم.

وقد لخص أبوبكر -رضى الله عنه- هذه الفكرة حين خطب داخل «السقيفة» قائلاً: «لم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحى من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وكنا معاشر المهاجرين أول الناس إسلاماً، ونحن عشيرته -صلى الله عليه وسلم- وأقاربه وذوو رحمه، فنحن أهل النبوة ونحن أهل الخلافة، وقال: لقد علمت يا سعد (يقصد سعدَ بن عبادة) أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر». وكانت النتيجة أن تم حسم الأمر للجماعة الممتازة، من الأهل والعشيرة!.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل