خديجة حمودة خديجة حمودة عشق المكان
الخميس 13-09-2018 | PM 09:57

إذا مررت يوماً بمكان ما فوجدت عينيك قد تعلقتا به، وعانقتاه وترفضان أن تغادراه أو أن ينتزعهما أحد من هذا العناق، وقد تتحرك بك السيارة بعيداً عنه إلا أنهما تظلان متعلقتين به حتى آخر الطريق أو حتى يختفى تماماً عن مستوى الرؤية، وإذا أحسست فى نفس الوقت أن قلبك يخفق بشدة وأن ضرباته تتلاحق كما لو كانت تنادى باسم شخص ما أو اسم مبنى قضيت فيه أياماً ممتعة للدراسة أو العمل وغادرته مع دوران ساعة الزمن وتوقف علاقتك به، وإذا وجدت قدميك تتباطأ خطواتهما وتهمسان للدقائق ألا تتحرك وأن تتشبه بالساعات وتأخذ حجمها، وتتقارب المسافة بين قدميك حتى تكاد تتعثر، لأنهما تريدان أن تبقيا وقتاً أكثر مما يجب فوق تلك الأرض التى تركت عليها منذ فترة آثار خطواتك أو أعمالاً مميزة لك، فظلت قائمة تحارب الزمن وبقيت شامخة واضحة لعيون محبى النجاح والخلود وكأنها لافتة كتب عليها (مرت من هنا أصابع وأفكار ولمسات أحد عشاق العمل والإنجازات) وتظل تنافس تلك اللافتات الباردة الرسمية التى يكتبون فوقها أسماء كبار المسئولين الذين قاموا بالافتتاح دون أى إشارة أو لمحة لاسم أصحاب الأفكار الذهبية، فاعلم أنك وقعت فى عشق هذا المكان وأن ما يحدث لك هو تطبيق فعلى وعادل لقانون العشق والهوى، فهو لا يتغير حتى لو تغير المحبوب وجنسه ومكانه وزمنه، فمن استمع لأبيات الشعر التى انطلقت على لسان إبراهيم ناجى أو رامى أو أحمد شوقى، شعراء الزمن الجميل والحب الرومانسى، تصف مشاعرهم والعلامات التى ظهرت عليهم ومعاناتهم وأحلامهم وأمانيهم، سيجدها قريبة للغاية مع التى يتغنى بها الآن كاظم الساهر لحبيبته، والمعنى واحد رغم كل هذه السنوات، والفرق الكبير بين ذلك القرن وما نعيشه الآن فى كل شىء إلا العشق والهوى.

وإذا عدنا لعشق المكان فقد شكل دائماً بعداً مهماً لدى الشعراء، خاصة الشعراء العرب قديماً وحديثاً، حيث ظهر من خلال كلماتهم الهيام فى فضاء العشق والذكرى والحنين الجارف للمكان، وارتبط دائماً لديهم بالمحبوبة، التى لم تكن هى المرأة فقط، فقد أخذ الوطن ينافسها ويفسح لنفسه مجالاً، واستمر حتى الآن وسط أحلام المبدعين والفنانين حلم العودة للمكان الذى شهد الأحبة والذكريات واختلطت فيه الأحلام الرومانسية بالبطولة والاستشهاد من أجل الأرض والوطن وانتهاء الحياة كما بدأت فى نفس نقطة الميلاد، فقد أدرك الشاعر أنه لا يستطيع أن يبرح المكان فى حياته أو مماته فركز على وصفه ومزجه بعشقه لفتاة الأحلام بتأثير وجدانى كبير كعلاقة وطيدة مع الذكرى، وإذا بحثنا عن المعنى الدقيق لكلمة (المكان) فقد جاء فى قاموس (لسان العرب) بمعنى موضع الشىء، أى المحل الذى يحل فيه المكان بوصفه حيّزاً جغرافياً قائماً يفهم منه اتساع النظر إلى الفضاء الذى يحيطه ويؤشر موضعه قياساً إلى شىء آخر، وهذا يعنى أن المكان يمثل جميع العلامات الجغرافية التى ترتبط بتشكيل خصائصه وهوية الإنسان أو المجموعة البشرية التى تعيش عليه منذ القدم، حيث نسجت العصور ملامح لعلاقة فريدة بين الإنسان والمكان الذى يقطنه، تجسدت عبر العديد من الدلالات مثل الاطمئنان والاستقرار والراحة والشعور بالحب والأمان والحماية التى يمنحها هذا المكان لساكنيه.

ولعل من أجمل الأدوار التى يلعبها المكان فى حياتنا أن يكون الوحى والإلهام، حيث قال الشاعر الأمير خالد الفيصل فى إحدى قصائده (فى نفس المكان مرتنى الذكرى وأنا واقف فى نفس المكان فى غير الزمان فى ذَا ضحكت أيام لكن بكيت فى ذَا حلمت أحلام لكنى صحيت)، وتكرر ذلك الدور مع الكتاب والشعراء والفنانين لتصل لنا جميعاً من خلال إبداعاتهم تلك الرسالة (أن للمكان عشقاً) فابحثوا عنه داخلكم وستجدونه.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل