د. لميس جابر د. لميس جابر راجعين.. رافعين رايات النصر
09:58 م | الجمعة 12 أكتوبر 2018

اليوم هو الجمعة الخامس من أكتوبر لعام 1973.. تحرك بى القطار المتجه إلى «قفط» فى صعيد مصر فى السابعة صباحاً، حيث الوحدة الصحية المجمّعة التى نُقلت إليها عقاباً لى على الاشتراك فى مظاهرات الطلبة فى يناير 1973.. رغم أننى تسلمت عملى بالفعل فى وحدة فى قرية اسمها «ساقية داقوف» مركز سمالوط، وتقع غرب بحر يوسف بمحافظة المنيا، ولم أستكمل العمل فيها لمدة شهرين حتى جاء قرار بنقلى إلى الوحدة الطبية بقفط التى تقع جنوب محافظة قنا بمسافة أربعين كيلومتراً تقريباً.

نفذت النقل وكان فى شهر يوليو، حيث يشارك الصيف مع محافظة قنا فى إحداث لهيب مشتعل قابلته فور نزولى من القطار.. المهم توجهت للوحدة وإذا بها طبيب يعمل، واكتشفت أننى مبعدة فى مكان مناسب لوضعى تحت المراقبة.. وتحملت لمدة شهر تقريباً المعيشة بلا عمل فى ظروف شديدة الصعوبة، واكتشفت أن هناك من يسأل عنى ويتأكد من وجودى يومياً مساء.. غضبت، وقررت النزول إلى القاهرة بلا أى إذن أو طلب إجازة وكل ما يدور فى ذهنى أن «يتم رفدى وأخلص واهو أريح من التقدم لوزارة الصحة بطلب لإلغاء أمر التكليف».. بقيت فى القاهرة لمدة خمسين يوماً فى انتظار خطاب الرفد ولم يصل.. وقررت السفر مرة أخرى لعلى أقابل المدير العام وأطلب نقلى لوحدة أخرى. واخترت هذا اليوم، وأنا فى القطار الذى يصل إلى قفط فى عشر ساعات تداعت إلى ذهنى كل أحداث الست سنوات من اليوم الأسود المدعو الخامس من يونيو.. وتذكرت آخر حديث لأصدقاء من الأطباء كانت إحداهن قد بشرتنى بالنقل قبلها بأسبوعين تقريباً، وطال الحديث عن الحرب المقبلة وعن عام «الحسم» الذى انقضى وعام الضباب الذى أوشك، وتعالت الصيحات بأن السادات قد باع سيناء لليهود بأمر الأمريكان، وأنه لا حرب هناك ولا يحزنون، واستسلمنا للأمر الواقع، وانتهينا إلى أن سيناء قد ضاعت إلى الأبد.. وبعد تجربة المظاهرات والاعتصام فى جامعة عين شمس والقبض على زملاء لنا وزميلات وإرسالهم إلى القلعة وسجن القناطر، وبعد مجىء أمن الدولة إلى منزلى فى زيارة ليلية، وبعد المراقبة فى صعيد مصر، كان الأمر قد انتهى بالنسبة لى، وابتعدت قضية الوطن ولم تعد ملحة بعد أن حجبها سياج من اليأس. وصلت إلى محطة «قفط» فى السابعة مساء.. حملت الحقيبة الصغيرة، وبحثت عن عربة تنقلنى إلى الوحدة الصحية، وكانت عربة غريبة نوعاً ما.. بلا زجاج نهائياً.. بلا فوانيس، وفوجئت بالسائق يطلب منى أن أمسك باب العربة بيدى حتى نصل إلى الوحدة، وأظن أننى دفعت له ربع جنيه بحاله.. صعدت إلى سكن الممرضات، حيث الحجرة التى أقيم بها، وهى متر فى مترين تقريباً، وبها طاقة عالية مستديرة كحجرات السجون. وضعت حقيبتى وأنا أشعر بعطش شديد، وأسرعت إلى الزير فوجدته خالياً من الماء، والمياه التى تأتى من الحنفية هى مياه آبار مالحة لا تصلح للشرب.

أسرعت إحدى الممرضات بالنداء على طفل صغير خارج الوحدة ليأتى ويأخذ الزير ويملأه من الترعة القريبة، وقد كان. وجاء الزير بمياه غير نظيفة، وضعنا به قدراً من «الشبّة» وقلبنا المياه، وانتظرت نحو نصف ساعة حتى تروق المياه من الشوائب، وإن لم تكن قد راقت من التلوث.. وشربت وارتويت، وبعد الجلوس مع الممرضات والحديث عن حال الوحدة وأخبار أمن الدولة الذى يسأل عنى يومياً جلست فى حجرة قريبة بها نافذة تطل على الطريق «الجسر» المار أمام الوحدة. كان الظلام قد حل، ولكنه لم يكن ظلاماً معتاداً.. كان ظلاماً كاملاً، حتى أنوار الوحدة التى تنتشر على السور الخارجى كانت مطفأة.. لم أتوقف كثيراً حتى رأيت طابوراً طويلاً من الدبابات يعبر الطريق بدون أنوار وبهدوء.. تعجبت وسألت.. قالوا: والله بقالنا كام يوم على الحال ده.. مرت الجملة مرور الكرام، ولم أندهش ولم أتوقف، كان الحلم بالحرب قد صار أوهاماً.. ذهبت للنوم وجاء يوم السبت السادس من أكتوبر وانتهى ولم أسمع شيئاً. كان الراديو يعمل ليلاً فقط، وبصعوبة نسمع راديو إسرائيل.. لم تصل إلينا صحف حتى صباح 7 أكتوبر.. جاء الخبر من صحيفة وحيدة جاءت إلينا من البندر.. لم أصدق نفسى، وعلى قدر الفرحة كانت خيبة الأمل.. ها هو اليوم الذى انتظرناه حتى اليأس قد أتى وأنا هنا على بُعد عشر ساعات من العاصمة والأخبار والراديو والتليفزيون والأهل والأصحاب.. بقيت خمسة أيام أبحث عن أى أخبار طوال الليل فى الراديو وأترجّى أى شخص يذهب للمدينة أن يأتينى بصحف.

عبرنا؟.. فعلاً؟.. وأنا ما زلت بعيدة ولم أعش فى قلب الحدث؟ قررت يوم 12 أكتوبر أن أعود إلى القاهرة، وركبت القطار صباحاً، وتحرك وقلبى معه يتحرك.. وفجأة توقف عند نجع حمادى.. ولم نعلم لماذا وماذا حدث.. توقعنا أن تكون الحرب هى السبب وربما تم ضرب الصعيد.. ثم عرفنا أن عربة كاملة قد احترقت، ويجرى إبعادها، وتأخر القطار ست ساعات، ما زال النحس يلاحقنى.. وتحرك بنا القطار من نجع حمادى حتى محطة مصر بلا إضاءة ولا مياه ولا كوب شاى.. المهم، الحمد لله. لم أخبر أحداً من أهلى برجوعى لصعوبة الاتصال بالتليفون.. دخل القطار محطة مصر فى الثالثة والنصف صباحاً.. أسرعت إلى مكان الصحف واشتريت الكثير، وخرجت إلى باب المحطة، ونظرت فوجدت أجمل مشهد كنت أنتظره طوال ست سنوات.. إنه الإظلام الكلى.. فوانيس العربات مطلية باللون الأزرق حتى إضاءة الأكشاك القريبة من المحطة ملفوفة بورق أزرق. ورغم هذا الإظلام رأيت الفرحة فى وجوه الناس.. جلست على سلم المحطة أراقب الميدان حتى يأتى الفجر لأتحرك، وأخذت أتصفح الجرائد والمجلات.. وجاء صوت الراديو فى كافتيريا المحطة: رايحين.. شايلين فى إيدنا سلاح.. راجعين رافعين رايات النصر.. باسمك يا بلدى.

تعليقات الفيس بوك

عاجل