عماد فؤاد عماد فؤاد «أى حاجة» تناقش «كل حاجة» على أساس «ولا حاجة»!
الإثنين 12-11-2018 | PM 09:55

«هبلة ومسكوها طبلة».. مثل شعبى نصف به، كمصريين، حال من يمتلك أداة من الأدوات يُفترض أن لها فائدة، ولا ينجز بها شيئاً، كمن امتلك طبلة معتقداً أنه يعزف عليها، ولا ينوب سامعيه منه إلا الجلبة والضوضاء، وصولاً لصداع الرأس. هذا المثل الموجز يلخص حال عدد لا يستهان به من مستخدمى «فيس بوك».. لا ينالك من «بوستاتهم» وتعليقاتهم إلا القرف إلى حد الغثيان فى بعض الأحيان. ولا أعتقد أنه قد خطر على بال مارك زوكربيرج وزميل دراسته إدوارد سوفرين عندما أطلقا الموقع، فى الرابع من فبراير عام 2004، بغرض إيجاد وسيلة عبر الإنترنت للتواصل بين طلاب جامعة هارفارد فقط، أن يسىء البعض استخدامه، وأن يتحول إلى أحد أهم الأسلحة لتدمير الدول وتشريد شعوبها.

وسيلة التواصل الاجتماعى الأكثر استخداماً فى الكرة الأرضية الآن، صورت لبعض الجهلاء أنهم علماء فى كل شىء، من علوم الذرة إلى بحوث «المية الناشفة». وهذا هو البلاء الأصغر، فالبلاء الأكبر يأتى من أنصاف المتعلمين ممن يتمادون إلى ما يعتقدون أنه تحليلهم العميق للأحداث، فيما يبدو أن مثل هؤلاء تحديداً لا يأتيهم الإلهام إلا وهم يلبون نداء الطبيعة، ويخرجون علينا بفضلات عقولهم. ومصر كلها تقريباً تابعت حواراً على «فيس بوك» حول شائعة نُسبت للدكتور طارق شوقى، وزير التربية والتعليم، عن إلغاء المجانية، وسقط كثيرون، إعلاميون.. وسياسيون.. ومثقفون.. ومحللون استراتيجيون، والمتحذلقون ذكَّرونا بمقولة الدكتور طه حسين «التعليم كالماء والهواء»، وكأنهم جابوا التايهة فى الفخ، وهاتك يا تطاول على الوزير الذى اضطر بنفسه لنفى الشائعة، التى لا يعرف من روَّجوها -بحسن نية- مصدرها الرئيسى، الذى أطلقها -بسوء نية- بلا شك.

بقليل من التدبر، ودون إجهاد للعقل، فإن شائعة كهذه تنفى نفسها بنفسها، لأن الدستور الحالى، وما سبقه من دساتير تنص صراحة على مجانية التعليم، ولا أتصور أن وزيراً بدأ مهام منصبه بالقسم على احترام الدستور، يجاهر بمخالفته، وبالتالى لا يمكن أن يتحدث فى هذا الأمر مسئول. ردد البعض الشائعة وكأنها خدمة مجانية لسماسرة تزييف الوعى، ممن يستهدفون قلب الوطن، لإزهاق روحه وتدميره.

مصائب «فيس بوك» لا تتوقف عند هذا الحد فقط، لكنها تتعداه إلى ما هو أخطر من ذلك، إلى جرائد تنطلق فيما تنشره استناداً إلى شائعات يروجها البعض عبر حسابات مخصصة لهذا الغرض، وبرامج «توك شو» تخصص فقرات مطولة لمناقشة هذا الهراء، ويتبلور رأى عام حول «اللاقضية»، يعنى «أى حاجة» تناقش «كل حاجة» على أساس «ولا حاجة»، وهنا «الهبلة» مش بس بتصدع اللى حواليها، لأ.. يوجد من يصدق أنها تعزف فعلاً على الطبلة، هذا المصدق «أهبل» أو «متآمر» النتيجة واحدة.. صداع فى رأس الوطن كله، وكاد أن يقضى عليه لولا ستر ربنا، ووجود عقلاء بيننا، وجيش وطنى بامتياز.

وحسناً تفعل الحكومة بحرصها اليومى على الرد على الشائعات مهما تعددت، لكن اللافت أن الشائعة تستهوى البعض ويظل يرددها، حتى بعد النفى الرسمى، فهى بالنسبة له كالمال الحرام يكسبه دون جهد، مهما كانت أبواب الرزق الحلال متاحة أمامه.

ونتكلم عن ضرورة وجود قانون لتنظيم التعامل عبر وسائل التواصل الاجتماعى، يقول لك تضييق على الحريات، طب نفكر فى استراتيجية واضحة لضبط إيقاعها، يقول لك كل واحد حر فى حسابه الشخصى، يفتى، يروج شائعات، يحلل غلط، يضرب علاقات مصر بالدول الأخرى، يخرب البلد، يوقع الاقتصاد، مش مهم، أنا حر.

يبدو أن الكلام عند هؤلاء ليس له وظيفة.. مجرد لغو. ولو افترضت حسن النية فى أحدهم أرجوه أن يراجع نفسه حتى لا أسأله «فيه أحسن من أى حاجة شىء فى الدنيا؟»، ولو جدع يجاوب.

تعليقات الفيس بوك

عاجل