د. محمود خليل د. محمود خليل يا وارث.. مين يورثك؟!
الأربعاء 14-11-2018 | PM 10:04

توقف المقريزى فى «خُططه» أمام أمثلة عديدة تدلل على قاعدة أن النجيب يلد أغبياء، والغبى يلد نجباء، وأن من يبنى ويؤسس، ويشيد ويغير، ويعيد هيكلة القواعد، يفعل ذلك لغيره، وليس لنفسه ولا لأولاده. أحدث معاوية بن أبى سفيان تغييراً جللاً فى مسألة انتقال السلطة فى تاريخ المسلمين، حين جعل الخلافة وراثية فى أبناء الخليفة الحاكم، وضرب صفحاً عن أسلوب تولية الخلفاء الذى اعتمده الراشدون الأربعة، وكان به شىء من الشورى. أراد «معاوية» أن يتوارث أبناؤه حكم المسلمين من بعده، فإذا بالحكم يخرج من أسرته إلى أسرة مروان بن الحكم، وتوارثها بنوه من بعده حتى زالت الدولة. والأمر نفسه ينطبق على الدولة العباسية، فقد أسسها عبدالله بن محمد السفاح، ولما مات انتقلت الخلافة إلى أخيه أبى جعفر المنصور، وظل الحكم فى أبنائه وأحفاده حتى انقرضت الدولة العباسية فى بغداد.

ومن اللافت أن «المقريزى» توقف أيضاً أمام مسألة انتقال أمر النهوض بـ«الملة الإسلامية» بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم إلى أبى بكر الصدِّيق، وقال إنه يتقاطع مع النبى فى أحد الأجداد «مرة بن كعب»، وبالتالى انتقل أمر الاهتمام بالملة الإسلامية من «محمد» إلى «أبى بكر»، ولم يرث أهل بيت النبى من الأمر شيئاً. وهناك مسألتان فى هذه التخريجة التى خلص إليها «المقريزى». المسألة الأولى تتعلق بولع المؤرخين المنتمين إلى مدرسة أهل السنة بتبرير مسألة انتقال السلطة من البيت النبوى إلى بيوتات أخرى من بيوت العرب، وأن هذا الانتقال يصح النظر إليه فى سياق «الحتمية التاريخية». فأمر الحكم لا بد أن ينتقل من بيت إلى بيت ومن أسرة إلى أسرة، وبالتالى فليس من حق دعاة فكرة «الإمامة لأهل البيت» من الشيعة أن يدافعوا عن وجهة نظرهم فى أن الأَوْلى بحكم المسلمين هم أهل البيت، بدءاً من «على» ومروراً بأبنائه «الحسن والحسين»، وانتهاء بالأئمة الشيعة المعلومين. المسألة من وجهة نظرى لا تفسر فى سياق مفهوم «الحتمية التاريخية» قدر ما يجب أن تفهم فى إطار مفهوم «موازين القوى». فمن يمتلك القوة يستطيع أن يسيطر ويحكم، وإذا أصاب أبناؤه الضعف والوهن فلا بد أن تفر السلطة من أيديهم وتذهب لغيرهم. حسابات القوة والضعف هى القادرة على تفسير مسألة الاحتفاظ بالسلطة أو فقدها.

المسألة الثانية تتعلق بوصف النبى كملك أو حاكم يمكن أن تتوارث عائلته الحكم من بعده. «محمد» كان نبياً رسولاً ولم يكن ملكاً يحكم، ويعتنى بأمر مَن يرثه فى الحكم. والمقارنة بين النبى وأبى بكر لا تجوز، فالنبى كان صاحب دين يشتمل على الرسالة السماوية الخاتمة، أما أبوبكر فكان صاحب دولة، يدير شئونها تبعاً لمقتضيات السياسة. تحكى كتب السيرة أن عتبة بن الوليد ذهب إلى النبى صلى الله عليه وسلم يعرض عليه أموراً رأى أن بمقدورها إثناءه عن رسالته. عرض عليه المال والملك والعلاج إذا كان يعانى من أمر يسوقه إلى ما يفعل. رفض النبى العرض السخى الذى تقدم له به عتبة بن الوليد، وأفهمه أنه صاحب رسالة وليس طالب حكم. لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم ملكاً ولا سلطاناً، ولم يشغله فى الحياة سوى تبليغ رسالة ربه، ولم ينشغل بأن يقدم للمسلمين نظرية سياسية تحكم تداول السلطة من بعده، فالسياسة أمر من أمور الدنيا، والحكم ينهض بأمره من يمتلك القدرة والكفاءة على إدارة شئون الدنيا، بغض النظر عن أمر الدين.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل