أخرج الخطّابى فى «العزلة» والبيهقى فى «شعب الإيمان» عن مالك بن دينار رحمه الله قال: «مَثَلُ قُرّاءِ (أى علماء) هَذَا الزَّمَانِ كمثلِ رجلٍ نَصَبَ فَخّا ونَصَبَ فيه بُرَّةً، فجاءَ عُصفورٌ فوقَعَ قريباً منه، فقال له: مَا غَيَّبَكَ فى التُّرابِ؟ فقال: التواضع، فقال: مِمَّ انْحَنَيْتَ؟ فقال: مِنْ طولِ العبادة، فقال: ما هذه البُرَّةُ المنصُوبةُ فيك؟ قال: أَعْدَدْتُهَا للصَّائِمين، قال: نِعْمَ الجارُ أنت، قال: فَلَمَّا أَمْسَى وغابَتِ الشمسُ دَنَا العُصفُور فَأَخَذَ البُرَّةَ، فخَنَقَه الفَخُّ، قال العصفورُ: إِنْ كانَ كُلُّ العُبَّادِ يَخْنُقُون خَنْقَكَ فَلَا خَيرَ فِى العُبَّادِ اليومَ».
إن من أسوأ ما نراه من بعض المتدينين المتعرضين لدعوة الناس إلى الإسلام والخير: أن ترى شخصا ظاهره الصلاح، شديد الحرص على الهدى الظاهر فى ملبسه وهيئته وطريقة كلامه، وحسن عرضه ووعظه، فى الوقت الذى ينضح باطنه بخلاف ما يُظهر، على حد قول أبى العتاهية:
وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى وريح الخطايا من شأنك تقطع
وأشد ما يظهر سوء هؤلاء حين يتعامل معهم الناس فى بعض المعاملات المالية أو الاجتماعية ويثقون بهم على حسب ما يرون من هيئتهم ويسمعون من حديثهم، ثم يفاجأون بأنهم وقعوا ضحية احتيال وغش، ويكتشفون أن هذا التدين الشكلى لم يكن إلا فخا منصوبا لهم، فيدفعهم ذلك إلى مجانبة التدين والإزراء على المتدينين، وربما دفعهم ذلك إلى الانتقاص من الدين نفسه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيا لله كم تكون جناية هؤلاء على الدين وأهله، وعلى الدعوة والدعاة!
بل إن أحد علماء السلف يرجو لو أن أولئك المظهريين أصحاب التدين الشكلى أظهروا للناس حالهم، ودعوهم إلى عدم التأسى بهم فيما هم فيه، حتى لا يكونوا سبب فتنة عامة، فيقول وهيب بن الورد: «لو أن علماء السوء نصحوا لله فى عباده فقالوا: يا عباد الله، اسمعوا ما نخبركم به عن نبيكم وصالح سلفكم، فاعملوا به، ولا تنظروا إلى أعمالنا هذه الفاشلة فإنا قوم مفتونون؛ كانوا قد نصحوا لله فى عباده، ولكنهم يريدون أن يدعوا عباد الله إلى أعمالهم القبيحة فيدخلوا معهم فيها».
أما مالك بن دينار فيقول: «لأنا للقارئ الفاجر أخوف منى من الفاجر المبرِّز بفجوره، إن هذا أبعدهما غورا».
نسأل الله أن يوفقنا للعمل بما نعلم، وأن يزيدنا علما وعملا خالصا متقبلا.