خالد منتصر خالد منتصر نحن وطن ودولة.. لا أمة وخلافة
الخميس 06-12-2018 | PM 10:00

القدرة على الإجابة الصحيحة مرتبطة ومشروطة بالقدرة على طرح وصياغة السؤال الصحيح بجسارة ودون خوف من تجريس مجتمع أو بطش سلطة، ونحن لدينا خلط، فنحن دائماً نردد: نحن الأمة الإسلامية، ونذكر بخجل وبتحفّظ أننا الدولة المصرية، نذكرها بصوت هامس وكأنها عورة، المصرى أو اللبنانى أو التونسى.. إلخ، لا بد أن يكون شعاره أنا أنتمى للدولة المصرية أو اللبنانية أو التونسية، نحن الوطن والدولة التى هى بوتقة لكل الأديان والمذاهب، وحتى الذين بلا دين أو مذهب، كل العلاقات الرأسية الفردية مع الله هى فى قلوب معتنقيها، أما العلاقات الأفقية المتشابكة فى المجتمع والشارع، فهى فى تفاعلات السلوك وفى مدونة القانون، وفى اتفاق المواطنين المنتمين لهذا الوطن، علاقات الوطن والدولة ليست بأوامر من أهل الحل والعقد، ولكنها بإرادة الشعب واتفاقه، الشعب بمسلميه ومسيحييه ويهوده وملحديه وبهائييه.. إلخ، لن يحدث هذا إلا بمجتمع علمانى، تستطيع فيه أن تكون مسلماً وعلمانياً فى الوقت نفسه وتفهم هذا وتستوعبه، وكما يقول فؤاد إسحق الخورى ص117 فى كتاب «الأسس الفلسفية للعلمانية» لعادل ضاهر: «الدولة بمفهومها العصرى تتمتع بشخصية تشريعية تحكم وتحاكم، لا يمكن أن يكون لها دين، فالدين يحكم ولا يحاكَم، أما الدولة فتحكم وتحاكَم، ومن هنا القول إن الدولة بجوهر مفهومها شخصية تشريعية، تنظيم معلمن سلفاً، والعلمانية هنا لا تعنى اللا دينية كما يفهمها بعض فقهاء المسلمين، بل تعنى أن تشريعات الدولة يجوز الطعن بها لأنها من صنع الإنسان المواطن لا من صنع السماء، والواقع أن المسلم اليوم بوضعه الدولتى إن صح التعبير يعيش العلمانية مسلكياً وينكرها على نفسه أيديولوجياً، يعيش فى معاناة دائمة بين موقعه الدولتى وموقعه الأمّتى، أى بين الأخوة فى المواطنة وهى الدولة، وبين الأخوة فى الدين، وهى الأمة»، بالفعل نحن نعيش ونحيا فى مجتمعنا بطريقة علمانية ونستمتع بمنجزاتها ومكتسباتها ونعيمها فى كل خطوة وكل لحظة، لكن فكرياً نحن نحمل داخلنا أيديولوجية تراثية فقهية قديمة، نتحرك مشقوقين إلى نصفين، بين جوادين يتحركان فى اتجاهين متضادين، الجسد يتحرك فى فضاء علمانى، لكن العقل مسجون فى قمقم دينى، أو بالأصح تديّنى فقهى، حتى الجهادى الإسلامى المستفيد من درجات التقاضى، التى أفرزها المجتمع العلمانى ووجود هيئة الدفاع عنه التى هى نتاج علمانى.. إلخ، هذا الجهادى وهو فى القفص يهتف «لا حكم إلا لله»، ويحلم بعودة الخلافة، برغم أنه لو فكر لحظة لوجد أن الحل القديم هو قطع رأسه بدون درجات تقاضى ابتدائى واستئناف ودستورى أو محامين، ليوضع رأسه بجانب الرؤوس التى عُلّقت وبجوار الأجساد التى صُلبت بدون هيئة دفاع أو حتى محكمة. مواطن يستنكف ويشمئز الآن من أى مشهد فيه طيف رق أو عبودية أو استغلال جنسى لامرأة بمبرر أنها جارية أو أمة أو سبية، وعندما يرى هذه المشاهد على شاشة التليفزيون فى الرقة أو فى الأنبار ودير الزور وحمص وحماة والحسكة.. إلخ، يسارع بالاستنكار ومن الممكن أن يغير القناة هرباً من بشاعتها، ومن الممكن أن يكون منضماً للجنة من لجان حقوق الإنسان، لكنه أيديولوجياً مؤمن بأن الرق حق، وأنه لا يمكن أن يحرم الطيبات التى أحلها الله له، وما دام الرق لم يُمنع بنص قطعى الدلالة فهو قائم، هو مؤمن بقول ابن حزم، والمفروض أنه الفقيه الأكثر استنارة «ما كان مباحاً فى وقت ما بعد موت النبى، فهو مباح أبداً»، فى فضائه المجتمعى هو علمانى مستنكر للاحتلال والقتال هجوماً وغزواً لدولة أخرى، ويسميه طبقاً للقانون الدولى احتلالاً غاشماً، ويصفق لمجلس الأمن حين يصدر قراراً بمعاقبة الدولة المحتلة التى جارت على حقوق جارتها، حتى ولو انتمت إلى نفس المنطقة، مثل العراق، التى من الممكن أن يكون قد عمل بها وكوّن ثروته من خلال راتبه، الذى كان يقبضه فى الغربة هناك، لكنه فكرياً وفى قرارة نفسه ووجدانه مؤمن بتخريج عمر عبدالرحمن فى رسالة الدكتوراه، والتى استخدم فيها سورة براءة غير المنسوخة، حين حرض الجماعة الإسلامية والجهاديين من منطلق «فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ»، ويظل يحلم بعودة الأندلس إلى أيدى العرب ويتباكى على ضياعها فى الوقت نفسه الذى يناضل فيه لطرد الاحتلال من فلسطين!، مواطن يعيش علمانياً، يذهب بطفله إلى أسوان، حيث مستشفى مجدى يعقوب للقلب طالباً الإنقاذ باستثنائه من قائمة الانتظار، فى الوقت نفسه الذى يصدق فيه هجوم السلفيين هناك على السير يعقوب، لأنه يستخدم صمامات قلب من الخنزير، يطلب الإنقاذ وهو يعمل موظفاً فى بنك ينصح عملاءه بعدم التبرع لمستشفى القلب اعتماداً على تفسير يلحّون عليه من فوق المنابر وشاشات الفضائيات الدينية: «قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»، ويؤمن بأنه لا تعايش مع الكافرين، لأنه يجب ألا تتخذهم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، وإنه «مَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ». هو مؤمن فى أعماقه بأن القرب هو قرب الأديان لا قرب الديار والأبدان كما قال ابن العربى، مواطن يستورد طعامه وعلاجه وملابسه الخارجية والداخلية من أهل الكتاب، ومن أهل بوذا، ويشكر المهندس القبطى، صاحب فكرة تحطيم الساتر الترابى، لكنه يقول مع ابن قيم الجوزية فى أحكام أهل الذمة: «لقد رجّح المسلمون الدين أساساً للوطنية وفارقاً بين الأهالى والأجانب»، مؤمن بالشروط العمرية، ومن أهمها ألا يجددوا ما خرب من أماكن عبادتهم، وألا يتشبهوا بالمسلمين، وألا يشارك أحد منهم مسلماً فى تجارة، إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة، ويردد ما كتبه أبويوسف، صاحب أبى حنيفة فى كتاب الخراج: «ينبغى أن تختم رقابهم فى وقت جباية رؤوسهم.. فلا تدعن صليباً ظاهراً إلا كُسر ومُحق»، ومقتنع بتوبيخ الخليفة عمر إلى أبى موسى، الذى كان له كاتب نصرانى، كما هو مذكور فى أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية: «لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله»، هذا المواطن يصفق ويتحمس عندما يستمع إلى تجديد الخطاب الدينى بنفس الحماس الذى يحمى به ويدافع عن تدريس مثل تلك الكتب المروجة للعنصرية، هذا المواطن علمانى حتى النخاع، وهو يتقاسم مع زوجته مرتبها للصرف على البيت، يشجعها على العمل ويتشاجر مع مديرها إذا خفض مرتبها أو شطب الحوافز، ولكنه مؤمن بتفسير أن النساء عوان عندكم، والعوان هن الأسيرات!!، وما هى إلا وعاء للجنين، وهى غير ملزمة بالرضاعة إذا لم يدفع لها الزوج، وإن عليها بحافة الطريق، وأنها مع بنات جنسها هن أكثر أهل النار، باختصار هو مواطن يعانى من ازدواجية، مريض بالشيزوفرينيا، يستفيد من منجزات العلمانية حتى النخاع، ويحاربها بنفس النعم والتكنولوجيا التى هى من عطاياها!!، فى الوقت نفسه الذى تتشبع فيه خياشيم روحه بغازات الدولة الثيوقراطية الفاشية السامة، ويصرخ وهو يلعب على السمارت فون «أنتم تكرهون الشريعة»، فهل هى فعلاً كراهية للشريعة؟، الإجابة فى الفصل المقبل.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل