د. محمود خليل د. محمود خليل غلق «باب التفكير»
الخميس 06-12-2018 | PM 10:00

لم يكن الاجتهاد هو الباب الوحيد الذى تصاعدت الدعوات لإغلاقه مع مطلع القرن السادس الهجرى، فمن قبل أغلق باب أهم وأعم هو «باب التفكير». وإذا كان الاجتهاد يتعلق باستنباط الأحكام الشرعية من النصوص (الأصول) فإن التفكير يعنى إعمال العقل فى الأحداث التى شهدها تاريخ المسلمين، وجوهرها الصراعات التى نشبت فيما بينهم بعد أحداث السقيفة، ووصلت إلى ذروتها فى تفاعلات «الفتنة الكبرى» التى بدأت بالتمرد على عثمان بن عفان ثم اغتياله وما أعقب ذلك من أحداث. ويمكننا التأريخ لغلق باب التفكير بعصر عمر بن عبدالعزيز (مطلع القرن الهجرى الثانى). فقد كانت المدرسة العقلانية فى الإسلام، التى تزعمها الجعد بن درهم، ثم جهم بن صفوان، ومن بعده بشر المريسى، تتأمل وتحلل الصراع الذى نشب بين المسلمين خلال أحداث الفتنة الكبرى وتقيم مواقف الأطراف المختلفة التى انخرطت فيه، والنتائج التى تمخضت عنها، وهو ما دفع البعض إلى سؤال الخليفة عمر بن عبدالعزيز عن رأيه فيما حدث أواخر عهد عثمان وموقفه من الأفكار والتقييمات التى يطرحها العقلانيون حول أحداث الفتنة وأبطالها، فرد على السؤال بقول الله تعالى: «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ».

عبارة: «امنع التفكير» تلخص لك رد عمر بن عبدالعزيز على من طلبوا منه تحديد موقفه من هذه المسألة. وما أكثر ما يحتج علماء الدين بهذا الموقف وبتلك الآية أمام أى نقاش لأفعال صحابة النبى، صلى الله عليه وسلم. نحن لا نختلف على أفضلية وفضل هذا الجيل من المؤمنين، لكن مسألة إيمانهم تختلف عن أمر أدائهم. فأجرهم على إيمانهم العميق بالله ورسوله وبلائهم الحسن فى الدفاع عن الإسلام موكول إلى الله تعالى، لكن أداءهم فى الأحداث التى تفاعلت منذ وفاة النبى وحتى تأسيس الدولة الأموية أمر آخر، من حق كل مسلم يراجع التاريخ أن يخطّئ هذا الصحابى أو ذاك. حساب الله على الإيمان، لكن ثمة حساب آخر تخضع له الشخصيات التى شاركت فى إدارة وتوجيه الأحداث العامة هو حساب البشر.

عمر بن عبدالعزيز قرأ النص القرآنى قراءة اعتسافية، فاستدعى آية «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ» لغلق باب التفكير ومنع مسألة «نقد الصحابة» ونسى العديد من الآيات القرآنية الأخرى التى تنص على استخلاص العبرة من قصص الأمم السابقة «لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِى الْأَلْبَابِ». ونسى أيضاً أن الصحابة كانوا ينتقدون بعضهم البعض. وفى هذا السياق قدم المفكر الكبير أحمد أمين فى كتابه «ظهر الإسلام» رؤية تحليلية عميقة لأفكار المعتزلة قال فيها: «لقد وضع المعتزلة لأنفسهم مبدأ مهماً جداً، وهو أن الصحابة ليسوا معصومين وأن الخطأ يجوز عليهم، سواء فى كبيرهم أو صغيرهم، وقد مكنهم هذا المبدأ من الحرية فى نقد أبى بكر وعثمان وعلى، كما مكنهم من تحليل الأحداث التاريخية عكس ما قال أهل السنة من الكف عن نقد الصحابة بالإجمال. وقد استدل المعتزلة على ذلك بما كان من نقد الصحابة بعضهم لبعض، حتى لقد يبلغ النقد أحياناً مبلغ السب».

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل