د. محمود خليل د. محمود خليل «عائشة» تركب الصعب
الثلاثاء 18-12-2018 | PM 10:01

من السهولة بمكان أن تقع مواجهة بين طرفين، لكن الصعوبة تكمن فى إيقاف تداعياتها، أو التحكم فى مساراتها. وذلك هو ما حدث منذ اللحظة الأولى لخلافة على بن أبى طالب. فقد بدأت كل جيوب النقمة النائمة فى الاستيقاظ، وكان عصره عصراً من المعارضة الشرسة للحاكم، استخدمت فيها كل الحيل السياسية، وتشكلت من أجلها الأحلاف، وتحزّبت الأحزاب، وتدفّقت الجيوش والأجناد. فقد نظر كبار الصحابة مذهولين إلى أمر التمرّد وتحرك العوام أو «الجهلة» -كما يصفهم «ابن كثير»- لتغيير الخليفة الذى لم يستجب لطلباتهم، وفرْض خليفة يعبر عن أشواقهم إلى التغيير، بعد سنين طويلة كان اختيار من يلى أمر المسلمين يتم من خلال اجتماعات الكبار فى الغرف المغلقة!. لذلك لم يكن من المدهش أن تقف السيدة عائشة، وهى تحرّض على الثأر لقتلة عثمان، قائلة: «أيها الناس إن الغوغاء من أهل الأمصار، وأهل المياه، وعبيد أهل المدينة، اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلماً بالأمس»، ولم يكن عجيباً أن يصف لها كل من طلحة والزبير أحوال المدينة بعد أن هرولا إليها فى مكة، قائلين: «إنا تحملنا هراباً من المدينة من غوغاء وأعراب». فكيف يسمح للغوغاء والدهماء بمطاولة الكبار فى اختيار من يلى الأمر؟!.

من اللافت أن موقف السيدة عائشة من المطالبة بالثأر لـ«عثمان» يتناقض مع موقفها السابق منه، حين كانت تحرّض الناس ضده وتدعو إلى خلعه، ويذكر «ابن الأثير» صاحب «التاريخ الكامل» واقعة شديدة الدلالة فى هذا السياق، يشير فيها إلى أنه «لما كانت عائشة بسرف لقيها رجلٌ من أخوالها من بنى ليث، يقال له عبيد بن أبى سلمة، فقالت له: مهيم؟ قال: قتل عثمان وبقوا ثمانياً. قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: اجتمعوا على بيعة على، فقالت: ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك! ردونى ردونى! فانصرفت إلى مكة وهى تقول: قتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبن بدمه! فقال لها: ولمَ؟ والله إن أول من أمال حرفه لأنت، ولقد كنتِ تقولين: اقتلوا نعثلاً (الشيخ الأحمق) فقد كفر. قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولى الأخير خير من قولى الأول»!.

ظلت عائشة تردد -كما يذكر بعض المؤرخين- عبارة: «لليلة فى حكم عثمان خير من على الدهر كله»، واستجاب الناس لدعوتها للثأر من قتلة عثمان، وقالوا لها: حيثما ما سرت سرنا معك، فقال قائل: نذهب إلى الشام، فقال بعضهم: إن معاوية قد كفاكم أمرها، وقال آخرون: نذهب إلى المدينة، فنطلب من على أن يسلّم إلينا قتلة عثمان فيقتلوا، وقال آخرون: بل نذهب إلى البصرة فنتقوى من هنالك بالخيل والرجال، ونبدأ بمن هناك من قتلة عثمان، فاتفق الرأى على ذلك، وكان بقية أمهات المؤمنين قد وافقن عائشة على المسير إلى المدينة، فلما اتفق الناس على المسير إلى البصرة رجعن عن ذلك، وقلن لا نسير إلى غير المدينة، وكانت حفصة بنت عمر أم المؤمنين، قد وافقت عائشة على المسير إلى البصرة، فمنعها أخوها عبدالله، وأبى هو أن يسير معهم إلى غير المدينة. وسار الناس صحبة عائشة فى ألف فارس وقيل تسعمائة فارس من أهل المدينة ومكة، وتلاحق بهم آخرون، فصاروا فى ثلاثة آلاف، وأم المؤمنين «عائشة» تحمل فى هودج على جمل اسمه «عسكر»، اشتراه يعلى بن أمية، وسار الناس قاصدين البصرة، وكان الذى يصلى بالناس عن أمر «عائشة»: ابن أختها عبدالله ابن الزبير، ومروان بن الحكم يؤذّن للناس فى أوقات الصلوات».

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل