عماد فؤاد عماد فؤاد الحكومات تعكر الماء والأعداء يصطادون
الخميس 27-12-2018 | AM 01:10

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وفى سياق السعى لبناء نظام اقتصادى دولى جديد أكثر استقراراً، وتجنباً لأخطاء العقود السابقة التى أسفرت عن خسائر فادحة، تم إنشاء صندوق النقد الدولى، وارتبطت مصر بالصندوق منذ عام 1974، والسياسات المترتبة عليه، تلك التى سماها الرئيس الراحل أنور السادات «سياسة الانفتاح الاقتصادى»، وأسفرت عن ظهور فئات الرأسمالية الطفيلية، ثم رأسمالية المحاسيب فى عصر مبارك، وزيادة معدلات الاستهلاك الترفى والعشوائى لدى بعض الفئات والشرائح الاجتماعية، والتى أسست لانتشار شبكات الفساد فى مجالات متنوعة من بينها الاستيراد والتجارة الداخلية والقروض البنكية وقطاعات توزيع السلع والخدمات عموماً، وتزايد عمليات الاستيلاء على أراضى الدولة، وظهور الفئات الاحتكارية والطفيلية التى توسعت وتكتلت مع سياسات الخصخصة وبيع شركات القطاع العام، وأطلقت فى الوقت نفسه موجات التضخم وارتفاع الأسعار وزيادة أوضاع التفاوت بين الفئات والطبقات الاجتماعية.

منذ عام 1974 والمصريون يعانون من ذلك الكيان الاستعمارى المسمى بصندوق النقد الدولى، ورغم أنّه تابع للأمم المتحدة، ودوره المفترض دعم الاقتصاد العالمى، والمعاملات التجارية بين الدول، فإنه عادة ما يتم اتهامه بكونه من أدوات الشركات العالمية عابرة القارات لبناء إمبراطورية تسيطر على اقتصاد العالم، وتنهب وتدمر اقتصاديات الدول النامية، وفقاً لـ«جون بيركنز»، مؤلف كتاب «اعترافات قاتل اقتصادى» الذى ترجم إلى ثلاثين لغة من بينها اللغة العربية التى صدر فيها تحت عنوان: «الاغتيال الاقتصادى للأمم».

يقول الاقتصادى الأمريكى جوزيف ستيج ليتز، كبير الاقتصاديين فى البنك الدولى الحائز على جائزة نوبل وأحد أهم مساعدى الرئيس الأسبق بيل كلينتون، فى أحد أبحاثه، إن القروض التى يقدمها صندوق النقد الدولى إلى الدول تكون ضارة فى حالات كثيرة، خاصة التى توجه إلى الدول النامية ودول العالم الثالث، وإذا أخذنا فى الاعتبار شهادة هذا المسئول الأمريكى -رفيع المستوى- مع ما هو معروف من سطوة بلاده على البنك وتحكمها فى قدرته على إعطاء القرض من عدمه لأى دولة، حيث إنها الدولة الوحيدة التى تمتلك حق الفيتو من بين الدول الأعضاء، نعرف إلى أى حدود يمكن أن تتحكم الولايات المتحدة الأمريكية فى مصائر الدول والشعوب.

ويقول الخبير الألمانى أرنست فولف -أستاذ الفلسفة فى جامعة بريتوريا- فى كتابه «صندوق النقد الدولى.. قوة عظمى فى الساحة العالمية»: «من الناحية الرسمية تكمن وظيفة الصندوق الأساسية فى العمل على استقرار النظام المالى، وفى مساعدة البلدان المأزومة على تلافى ما تعانيه من مشكلات، غير أن تدخلاته تبدو فى الواقع أشبه ما تكون بغزوات الجيوش، وينتهك سيادة هذه الدولة أو تلك، ويجبرها على تنفيذ إجراءات ترفضها الأغلبية العظمى للمواطنين، وتخلف وراءها مساحة عريضة من خراب اقتصادى واجتماعى. وفى كل هذه التدخلات لم يستخدم الصندوق أسلحة أو جنوداً، بل كان يستعين بوسيلة غاية فى البساطة، وبواحدة من آليات النظام الرأسمالى، أعنى عملية التمويل».

كل الآراء الاقتصادية -المحايدة والنزيهة- تؤكد أن سياسات صندوق النقد الدولى التى يتم فرضها على الدول -الأسيرة لديه- تمثل خطراً يفاقم من حالة الاستياء والغضب الشعبى، وأن الحلول المالية وحدها يمكنها أن تواجه حقيقة عجز الموازنة العامة للدولة، وهو افتراض خاطئ وخطر، ويدفع الحكومات نفسها إلى تعكير المياه فى دولها، ومن ثم تعطى الفرصة لأعدائها للصيد فى الماء العكر.

عندما سُئل مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا الأسبق، كيف نهضت ماليزيا؟ فقال: «خالفت توصيات صندوق النقد الدولى، وفعلت عكس ما طلبه من إجراءات».

اللهم إنى قد بلغت، اللهم فاشهد.

مقالات متعلقه بالكاتب

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل