عبدالعظيم درويش عبدالعظيم درويش عندما أعادتنا «آلة الزمن» 100 عام..!
الجمعة 11-01-2019 | PM 10:05

لم يكن يوم الأحد الماضى يوماً عادياً -سواء فى صباحه أو مسائه- تسقطه نتيجة الحائط من بين أوراقها دون أى مجهود، بل كان أشبه بـ«آلة الزمن» أعادتنا 100 عام بالتمام والكمال، وتحديداً إلى عام 1919 وقت أن وُلد شعار «يحيا الهلال مع الصليب» ليعبر عن تلك الروح التى تسود مصر منذ قديم الأزل، ففى هذا الوقت اعتلى «الشيخ حسن القاياتى والأب سرجيوس» معاً منبر الجامع الأزهر، فى سابقة هى الأولى فى تفردها خلال ثورة 1919 ليعلن، متحدياً الإنجليز قائلاً قوله المأثور «إذا كان الاستقلال موقوفاً على الاتحاد، وكان الأقباط فى مصر حائلاً دون ذلك، فإنى مستعد لأن أضع يدى فى يد إخوانى المسلمين للقضاء على الأقباط لتبقى مصر أمة متحدة مجتمعة الكلمة» ليُنفَى الاثنان «سرجيوس والقاياتى» بعدها إلى رفح لمدة 80 يوماً..!! لم تكن مقولة سرجيوس غريبة عن مواطنى مصر، إذ أعاد البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية -وقت أن أحرق الإخوان الإرهابيون عدداً من الكنائس المصرية- صياغة تلك المقولة بشكل آخر وإن كان يحمل ذات معنى التضحية من أجل مصر «وطن بغير كنائس أفضل من كنائس بلا وطن».

يوم الأحد صباحاً اختلطت «العمائم» -سواء «الحمراء التى يحيطها شريط أبيض أو تلك كاحلة السواد»، وتعانق الهلال مع الصليب، واختلطت فيه الابتهالات مع الترانيم - وقت أن شارك البابا تواضروس - ومعه قساوسة وكهنة الكنائس - لأول مرة فى افتتاح «مسجد الفتاح العليم» بالعاصمة الإدارية، ليلقى كلمة من داخله أثناء افتتاحه وبجواره فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر ليُرفع الأذان وتقرع أجراس «كنيسة ميلاد المسيح».. وفى المساء شارك الطرفان فى افتتاح كنيسة «ميلاد المسيح» التى تُعانق مسجد «الفتاح العليم» فى ذات الموقع، وهما ثمرة وفاء من جانب الرئيس السيسى لمبادرته قبل نحو عامين.

فى احتفالى افتتاح المسجد والكنيسة شدد السيسى على ما يربط المواطن المسلم بأخيه المسيحى «لن نسمح لأحد بأن يؤثر على علاقة الأقباط بالمسلمين، إحنا هنفضل طول عمرنا واحد، وبيننا شجرة محبة غرسناها مع بعض».. وفيما قال البابا تواضروس: «إن الكنيسة تقف شامخة بجانب المسجد الجديد، فى صمود ورمز يتصديان لكل محاولات العبث واستقرار الوطن»، بينما أوضح الإمام الأكبر الطيب «أن الإسلام ضامن شرعاً لكنائس المسيحيين ومعابد اليهود وإذا كان الشرع يكلف المسلمين بحماية المساجد، فالشريعة الإسلامية تكلف المسلمين أيضاً بحماية الكنائس»، ولم يكن السيسى مبالغاً عندما اعتبر أن مشاركة المسلم والمسيحى فى افتتاح بيتى الله سبحانه وتعالى رسالة سلام ومحبة كبيرة من مصر للمصريين والمنطقة والعالم أجمع، و«بفضل الله بنقدم نموذج للمحبة والسلام بيننا وستخرج المحبة والسلام لتعم العالم كله»..! إذ سرعان ما تجاوب معها البابا فرانسيس بابا الفاتيكان واعتبرها «حدث تاريخى يستحق التحية والتقدير للرئيس وللحكومة المصرية نظراً لهذا المزج الرائع»، هكذا أثبتت مصر أنها لا تفرق بين من يحمل فى يده «مسبحة» ومن يرسم على ساعده «صليباً».. من يسجد لله سبحانه وتعالى 5 مرات يومياً ومن يرسم على صدره بيمينه صليب عيسى عليه السلام.. مصر المحبة والتعايش السلمى بين مواطنيها.. مصر التى تطبق مدنية الدولة وحقوق المواطنة قبل أن يتضمنهما بنود الدستور.. مصر التى ستظل «تعيش فينا ولا نعيش فيها» كما قال قداسة البابا شنودة نيّح الله روحه، وهكذا كنا وهكذا سنستمر..!

أبداً لن تتحقق أوهام «أثرياء الدم» من جماعة الإخوان وفروعها من الإرهابيين بأن بإمكانهم أن يصبح الوطن كله «مصلوباً» وأن يتحول مواطنوه جميعاً إلى «معتقلين» داخل جدران الخوف على مستقبل وطن سعت أياديهم المحمومة كثيراً إلى محاولة تشويه ملامحه التى ارتسمت فى وجداننا عبر عشرات بل مئات السنين.. أبداً لن يشكل أبناؤه ميليشيات تواجه بعضها بعضاً من خلف متاريس الكراهية والحقد أو الثأر.. فنحن أبعد من أن ننزلق فى هاوية الفتنة الطائفية بل إننا سنصبّ جام غضبنا على جماعات العنف، وسنطلق رصاصات القصاص على من اختار أن يواجه إرادة شعب واحد.. إذ إن «قابيل وهابيل» كانا فصلاً فى تاريخ مضى ولن يعود، ولن يجد أحد من «شيوخ الفتنة» أى «غراب» ليلقن أحداً كيف يدارى «سوءة أخيه»..!!

عندما ارتفع الأذان من فوق مئذنة «مسجد الفتاح العليم» ودُقت أجراس «كنيسة مولد المسيح» يوم الأحد الماضى لم تكن إيذاناً باحتفال مصر بمسلميها ومسيحييها بافتتاح أكبر مسجد وكنيسة فى أفريقيا بجميع دولها، بقدر ما حملت تجديداً للمحبة والسلام والتسامح بين أبناء وطن واحد اعتاد ألا يفرق بين من يسجد لله فى صلاته أو من يشعل شمعة أمام تمثال مريم البتول العذراء.

فى كل يوم عندما يرتفع الأذان من فوق المآذن وتدق أجراس الكنائس صباح الأحد ليدعو للصلاة يؤكد مسلمو الوطن ومسيحيوه أنهم شعب واحد تربى وتعايش على أرض الوطن على فطرة الله وأوامره، سبحانه وتعالى، التى تدعو البشر جميعاً للتعايش السلمى بينهم إذ إن الجميع -عدا قلة حاقدة- يعلم أن الله هو الرب الواحد الذى بعث الأنبياء جميعهم برسالة واحدة تحمل نفس القيم الإنسانية.. فـ«دين الله واحد فى جميع الأمم» .. وعندما تتقاطع أصوات المساجد مع بعضها بـ«الأذان».. وتتردد رنات الكنائس يبدأ الجميع فى التوجه إلى الله سبحانه وتعالى كل وفق ما تفرضه عليه تعاليم دينه دون أن تلفت نظر الآخر..!

قبل يوم السبت الماضى تجمع العمال والمهندسون «مسلمين ومسيحيين» ليرفعوا «الصليب المعدنى» الضخم لأول مرة فوق مبنى كنيسة «ميلاد المسيح» بعد أن كانوا قد تجمعوا لبناء مسجد «الفتاح العليم» فى نفس الموقع..! وقبل هذه الأيام ومنذ عشرات السنين جدد الشاعر أحمد شوقى تبجيل الإسلام للسيد المسيح وأمه البتول مريم بقصيدة جاء مطلعها: «وُلِدَ الرفقُ يَوْمَ مولدِ عيسى والمروءاتُ والهدى والحياء»، ليختمها، بقوله: «إنما ينكرُ الدياناتِ قومٌ هم بما ينكرونه أشقياءُ» هكذا كانت مصر وستظل رغم أنف الحاقدين.

وإذا كان القرآن كتاب الله العزيز يقول: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِى عَزِيزٌ» صدق الله العظيم، فإن الإنجيل يضم فى آياته رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية التى تنص على: فَمَاذَا نَقُولُ لِهذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟.. ولك يا أغلى اسم فى الوجود ولمواطنيك مسلمين ومسيحيين السلامة دائماً.

تعليقات الفيس بوك

عاجل