خالد منتصر خالد منتصر سلامى عليك يا زمان
السبت 19-01-2019 | PM 10:01

دائماً ما كان يبهرنى قلم صلاح عيسى، ولو انطبق وصف السهل الممتنع على أحد من الكتاب سيكون أفضل نموذج هو صلاح عيسى، سواء اتفق القارئ أو اختلف مع موقفه السياسى، إلا أنه أستاذ فن المقال الصحفى بامتياز، رشاقة الكلمة وخفة ظل الأسلوب وعمق المعنى وفيض المعلومات التاريخية، يخرج لنا فى النهاية مقالاً برغم دسامته فهو سهل الهضم والقراءة، لا تستطيع أن تتركه إلا مع آخر حرف، لذلك سعدت بإصدار كتاب «سلامى عليك يا زمان» الذى أصدرته دار الكرمة، وهو تجميع لعدة مقالات متفرقة لصلاح عيسى فى الثمانينات فى عدة جرائد عربية مختلفة، والمقدمة لرفيقة دربه المخلصة الكاتبة أمينة النقاش، مفاجأة هذا الكتاب هى قدرة صلاح عيسى الفذة على كتابة الشجن بنفس قدرته على الكتابة الساخرة، وكأن روح الدعابة التى كان يتمتع بها «صلاح» هى مجرد قناع يخفى تحته مرارة الحزن وملح الدمع، يكفى أن تقرأ رثاءه البديع فى صديق سجنه محمد عبدالسلام الزيات وهو يقول «هربت إلى الشرفة خجلان من غلالة دمع انسدلت فوق عيونى، أتأمل من خلال أستارها أفقاً ينزف دماً، وأتابع سرباً من العصافير يرحل غرباً، سألتها أن تقبل عنى جبينه المسجى، أصبحت أخبار موت الأصدقاء يا عصفورتى قهوتنا الصباحية، غدت أحضانهم سراباً، والصقيع يزحف، وأين أجد يا عصفورتى فى زمن أكل الجفاف خضرته، والتهم الجراد كل مسراته، فيضان الدمع الذى يليق بحرقة القلب على رحيل رجال مثل أمل دنقل وشادى عبدالسلام والزيات، أما الوجيعة المستكنة فى الضلوع فهى أنهم يرحلون بلا بدائل».

اكتشاف جديد ستكتشفه فى منجم صلاح عيسى الذى لا ينضب كنزه، فى نفس الوقت الذى يتحدث فيه عن الراحل حافظ بدوى بقلمه الساخر، يتحدث عن لقبه «حافظ الميثاق» وكيف أن حفظه للميثاق أوصله لأعلى منصب تشريعى فى البلاد، وكيف كان فى محطة من محطات رحلته مسئولاً عن تنظيم الأسرة وعنده أحد عشر طفلاً!، ويكتب عن فوضى المؤتمرات السياسية الوهمية، والأيديولوجية الكاريوكية الراقصة، والتكنولوبيا العربية، وعن الجنون الإيجابى الأفضل ألف مرة من العقلانية المناورة، الكتاب متعة فنية وذهنية، ترى صلاح عيسى وهو يتحدث فى التاريخ وتفاصيله كالجبرتى، ويستخدم الشعر ويوظفه بمهارة أستاذ فى الأدب، ويكتب نثراً برشاقة وعذوبة شعر «نزار» وحِدَّة أحمد فؤاد نجم، ويرسم بسن القلم كريشة صديقه ناجى العلى الذى اغتيل غدراً، ويأخذنا معه فى رحلاته وكأنه «ابن بطوطة»، ويحفر فى أعماق البشر البسطاء والفهلوية والمنشيين والأرستقراط بعين ثاقبة كاشفة فاضحة وكأنها أشعة كتابة سينية، صلاح عيسى قلم ليس له بديل ولا مثيل، والكتاب باقة ياسمين لصلاح عيسى الذى لن ننساه، لأن من هم مثله فى إبداعه لا يموتون.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل