أمينة خيرى أمينة خيرى بضاعة أتلفها الفراغ
10:04 م | الجمعة 08 فبراير 2019

الشد والجذب سمة إنسانية، والصوت الواحد نقمة بشرية. أما الشد لغرض الظهور فمصيبة، والجذب لغاية الأضواء حماقة، والحماقات أنواع وأشكال ومقاسات وموديلات، ومع سنوات ما بعد ثورة يناير ظهرت تيارات واندثرت توجهات، وبزغت قدرات ودُهست مهارات، ودخل الجميع فى خلاط سنوات المراحل الانتقالية، وهى السنوات التى تشوبها التقلبات والتحولات والتغيرات الفجائية، بالإضافة لعدم ثبات الحال أو هدوء البال بغض النظر عن هوية البلاد.

فما بالك بالمجتمع المصرى الذى عانى على مر عقود طويلة من تجريفات شديدة، وإلهاءات كثيرة، وتجاهلات تركت الأمور تضرب تقلب فكرياً وثقافياً ومنطقياً، وقد أسفر ذلك مع لخبطة سنوات ما بعد يناير 2011 عن ظواهر ثقافية وإعلامية كثيرة، بعضها إيجابى حيث ظهرت أصوات ووجوه وأفكار لم يسمع عنها أحد من قبل، كما تم فرز الصالح من الطالح لمن كانوا مهيمنين على الساحة دون وجه حق أو منطق، لكن ظهرت أيضاً عوارض جانبية فى هذا الشأن جعلت كثيرين يعتقدون أنهم يفهمون فى كل الأمور، وقادرون على فهم ما وراء الأحداث، وتحليل ما يجرى خلف الأبواب، وتفنيد ما يثار فى مشارق الأرض ومغاربها، وانتقاد كل كبيرة وصغيرة ومعارضتها ومقاومتها، تسألهم عن الأسباب، فيباغتونك برد قوى دامغ: كده! تستفسر منهم عن الدوافع، فيعاجلونك بإجابة شافية: لمصلحة الوطن طبعاً، تستوضح منهم عن البدائل لتعم الفائدة وتنتشر المنفعة: فيردون بكل ثقة: مش شغلتى.

الشغل الشاغل للبعض الآن، سواء عن طريق مجموعات وصفحات عنكبوتية، أو تعبيرات ومقالات فردية، أو حتى أحاديث ونقاشات جانبية، هو صب اللعنات وسكب الامتعاضات على كل كبيرة وصغيرة، سواء كانت تمس اللاعن أو لا تمسه، تخصه أو لا تخصه، تتعلق بشئون حياته أو لا تمت لها بصلة، وقد نتفهم وجهة نظر اللاعن، ونحترم أسباب توجه الممتعض -حتى لو كان يلعن ما لا يخصه أو يهمه- فى حال كان فاهماً لبواطن أمور ما يلعن، ملماً بأبعاد وزوايا ما يسب، مدركاً لمسببات ونتائج ما يعارض ويقاوم ويجابه، ففى هذه الحالة نرفع له القبعات تبجيلاً، وننحنى له تقديراً، ونطالبه بالمزيد من العلم لننهل منه نهلاً، والكثير من النقد لتعظيم الاستفادة وتعميم المعرفة.

أما المعارف المفرغة، حيث الهيكل دون مضمون، والإطار منزوع المحتوى، والصندوق فارغ الدواخل فقد غزا الفضاء غزواً مريعاً، وأغار على البلاد مغاورة رهيبة، وعم ربوع فيسبوك وتويتر وواتس آب حتى كادت المنصات الإلكترونية تنفجر فى وجوه مستخدميها.

وقد شاءت الأقدار أن يجد المصريون أنفسهم بين ثورة وضحاها أعضاء فى ملايين المجموعات العنكبوتية المتخصصة فى كل شىء وأى شىء من الإبرة للصاروخ، وهذه ليست عبارة رمزية، أو كلمات بلاغية، لكنها حقيقة واقعة وفعلية، وعلى غرار محلات «كل شىء» نجد مجموعات تطالب بتأميم المستشفيات الخاصة وتحويلها حكومية، وأخرى ترفع شعار توزيع رواتب الكبار على الغلابة بالحق والمستحق، بمعنى أن يظل صاحب المنصب أو الخبرة أو المهارة أو جميعها يعمل على أن يخصص راتبه آخر الشهر لأصحاب الدخول الأقل، وهناك مجموعات تطالب بإلغاء أعمال السنة فى المدارس كلية، وأخرى تطالب بإلغاء الأنظمة الجديدة فى التعليم، وثالثة تدعو المعلمين إلى الإضراب عن العمل إلى أن تتضاعف الرواتب والحوافز والبدلات، وهناك مجموعات تدعو إلى مقاطعة الزواج حتى «تعنس» البنات، وكأن الشباب لا يعنسون، إن صحت الكلمة من الأصل، وأخرى تدعو إلى نبذ الطماطم تحت شعار «خلوها تعفن»، وثالثة إلى مقاطعة البامية تحت راية «خليها تحمض»، ورابعة تعادى شاورما السوريين ومنسف اليمنيين وباستا الإيطاليين والقائمة لا تنتهى.

وقد انتهى الحال ببعضنا إلى اعتبار المجموعات العنكبوتية مهنة بدوام كامل، على أن تتكفل الدولة بمصروفات الإعاشة وكلفة الإغاثة، وانتهج البعض الآخر نهج «الخبير الاستراتيحى» الفاهم فى صواريخ الفضاء، وعربات القطار، ومركبات التوك توك والتروسيكل، ولا مانع أبداً أن يدلو بدلوه فى أسس إصلاح التعليم، ومبادئ تقييم المعلمين، وأسس إصلاح الكوالين، ودعائم تدعيم التموين.

جميل جداً ورائع جداً أن نتفاعل جميعاً بقضايانا، ويشعر كلنا بمكنون أنفس الآخرين ودواخل مشاعر المحيطين، فنبحث فيها ونفكر ونسعى للمعرفة من أهلها، وجيد جداً وإيجابى جداً أن نتشارك جميعاً فى مسائل تتعلق بحياتنا وحياة من حولنا، أما أن نعتنق الإفتاء فى كل صغيرة وكبيرة بناء على تدوينات فيسبوكية وتغريدات تويترية وترهات واتس آبية، فهذا فيه سم قاتل.

مرة أخرى، لا سبيل للخروج من هذه السيولة الإفتائية والميوعة التحليلية إلا بحياة سياسية صحية، حيث أحزاب حقيقية وسبل تعبير فعلية، وإلا تحولت الطاقة الشعبية الفكرية إلى بضاعة أتلفها الفراغ.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل