ياسر عبدالعزيز ياسر عبدالعزيز الأقوى والأجمل والأغنى
الأحد 10-02-2019 | PM 10:10

عادة ما يُغرَم الجمهور بالتصنيفات، ومعرفة نتائج المسابقات، وأى من عمليات الفرز التى ترتب القوى الفاعلة، سواء كانت منظمات أو أفراداً أو دولاً أو منتجات وفق اعتبارات معينة، وتدرجها فى قائمة ما.. من الأكثر ثراءً إلى الأقل ثراءً، أو من الأقوى إلى الأقل قوة، أو من الأجود إلى الأقل جودة، أو من الأكثر سعادة إلى الأقل سعادة، وهكذا.

ومن ذلك، أننا بتنا نحفل كثيراً بالقوائم السنوية التى تصدر عن فعاليات شتى، محددة أفضل الأفلام، أو أهم المطربين، أو أكثر الأحداث إثارة خلال العام، أو أكثر عشرة منتجات رواجاً، أو أغلى عشرة لاعبى كرة قدم قيمة سوقية، أو أكثر مائة سيدة أناقة أو جمالاً أو قبحاً، أو أهم مائة شخصية فى العالم، وغيرها.

تخاطب تلك القوائم مناطق فى نفوسنا، وتُظهر نزعات قوية، تحضنا عادةً على تأطير الكيفى والموضوعى والنسبى، وسحبه إلى حيث يكون كمياً قابلاً للقياس، وشيئاً يمكن تثبيته للحظة، وتفحص حاله، وتعيين مركزه، وتحديد موقعه من منافسيه أو نظرائه.

ليس هذا بالطبع أمراً مقتصراً على عالمنا العربى، ولكنه ربما يكون أكثر أهمية وازدهاراً فى بيئته الأكثر ملاءمة.. هناك فى الغرب، حيث تحتل الأدلة والتصنيفات والقوائم المتدرجة الناتجة عن الدراسات والمسابقات والمهرجانات مكانة مهمة، وتحظى بأكبر فرص الرواج والنفاذ، ويتعلق بها الجمهور وينتظرها باحتفاء كبير، لكونها أكثر قدرة على الفرز وقياس الأثر، وتوضيح المعايير الحاكمة فى المجتمع، والقيم السائدة، وأوثق دلالة على الأطر التى تحكم المجال العام وتشكله، وأشد نجاعة فى كشف أولويات الجمهور واتجاهات ذائقته.

لكن الإنصاف يقتضى القول إن المقاربة الغربية لمثل تلك القوائم والتصنيفات تحظى بقدر معتبر من الضبط والدقة والنزاهة، وتتم من خلال عمليات تتمتع بتقاليد محترمة فى جمع البيانات وتصنيفها وفحصها وتحليلها، وتنحو إلى قدر من الموضوعية والحياد والتجرد فى عمليات الفرز، بما يقلل إلى أقصى درجة ممكنة من مخاطر الانحياز وصعوبة تحويل القيم المعنوية والجمالية والمعانى النسبية إلى أرقام وقيم كمية.

ولذلك، فلم يكن مستغرباً أن تحظى بعض وسائل الإعلام ومراكز البحوث الغربية باهتمام كبير حين تطلق تصنيفاتها السنوية المتعلقة بترتيب الأهمية أو الثراء أو النفوذ فى مجالات عدة، بل بات من المتعارف عليه أن يتم استخدام تلك التصنيفات لاحقاً فى عمليات البحث الاجتماعى والتحليل المالى والاقتصادى كمصادر أولية لمعلومات ذات قدر من الصدقية يمكن التعويل عليه.

ويمكن رصد الكثير من تلك المؤسسات التى باتت ذات باع طويل فى هذا المجال، مثل «إنستيتيوشنال إنفستور» Institutional Investor، التى تقدم تصنيفاً عالمياً سنوياً لأقوى الشخصيات فى القطاع المصرفى، ومجلة «تايم» Time، التى تنشر قائمتها السنوية لأقوى مائة شخصية فى العالم، بعد أن تصنف أصحابها فى خمسة مجالات، هى: «القادة والثوار» و«الأبطال والرواد» و«العلماء والمفكرون» و«الفنانون والمغنون» و«البناؤون والجبابرة».

وهناك أيضاً مجلة «يوروبيان بيزنس» European Business، التى تصنف المائة الأكثر ثراءً فى القارة الأوروبية، وترصد ممتلكاتهم، وكذلك صحيفة «التايمز» The Times البريطانية، التى تنشر قائمة للأشخاص الأكثر تأثيراً فى قطاعات الأعمال فى مناطق العالم المختلفة، ومجلة «فوربس» Forbes الأمريكية، التى تنشر قائمة بأكثر الأشخاص ثراءً، وكذلك تفعل مجلة «فورتشون» Fortune المتخصصة فى شئون الاقتصاد وإدارة الثروات.

وهنا يثور السؤال: هل نحن بحاجة فى عالمنا العربى إلى مثل تلك القوائم؟

الإجابة: نعم. مرة لأننا بحاجة ماسة إلى المزيد من تدفق المعلومات عن الواقع الاقتصادى والسياسى والاجتماعى، ومرة أخرى لأننا بحاجة إلى معرفة مراكز النفوذ والثروة والتأثير فى عالمنا العربى، خاصة فى ما يتعلق بمجالات الأداء العمومى وصنع الرأى العام وبلورته وصياغة توجهات الجمهور وتشكيل ذائقته وبناء وعيه ووجدانه.

سنحتاج إلى هذه القوائم لاستشراف الفرص والمخاطر فى هذا الإطار، والعمل على تقويم أى انحراف أو ميل يمكن أن يعمق أزماتنا أو يحرفنا عن أولوياتنا وقضايانا الجادة. ومرة أخرى، لأن إعلان نتائج مثل تلك التصنيفات يمكن أن يكون حافزاً ومثيراً جاداً معتبراً فى مجالات التنافس ذات الوجاهة، وبحيث تمثل قيمة وحافزاً وإغراء فى حد ذاتها، فتحض المتبارين على بذل المزيد من الجهد والعرق، لاحتلال المكانة الأفضل، سواء فى البناء أو الفكر أو الإبداع أو الثقافة.

أما آخر ما يمكن أن نكون بحاجة إليه فى عالمنا العربى، فهو أن تتحول تلك التصنيفات إلى أدوات انتهاز واحتفال وأنشطة ترويج ودعاية، لأن ذلك لن يفقد الجمهور اليقين فى صدقيتها فقط، لكنه أيضاً قد يزعزع ثقة المجال العام كله فى قيمة العمل والإنجاز والمكانة.

فى الأسابيع الأخيرة، ظهرت قوائم عديدة فى العالم والمنطقة العربية، لذكرى انتهاء عام وبدء آخر جديد، بعضها يختص بمجالات السياسة والمال، وبعضها الآخر يركز جهوده على مجالات الترفيه والانشغالات الثانوية، مثل قوائم الجمال والأناقة والريادة الفنية.

وقد أمكن ملاحظة أن هناك فرقاً كبيراً بين القوائم العالمية التى تصدر عن مؤسسات قوية ذات سمعة، وبين مثيلاتها فى العالم العربى.

يتضح هذا الفارق فى أن معظم القوائم العالمية الجادة سبق أن أعلنت معاييرها فى التصنيف، وأكسبت تلك المعايير قدراً من الوجاهة العلمية والصدقية الأكاديمية، ولجأت إلى خبراء مرموقين، لكى يشاركوا فى عمليات الاختيار والتصنيف، حتى فى ما يتعلق بأنشطة المجتمع المدنى، أو تصنيفات الجمال والأناقة.

أما فى عالمنا العربى، فلم نجد بين هذه القوائم ما يمكن أن يرسى معياراً أو يكرس قيمة، إذ هيمن الحس الإعلانى، وأنشطة الدعاية على معظم الاختيارات للأسف الشديد.

ورغم أن بعض القوائم التى ظهرت فى العالم العربى تحلت بقدر لافت من الجدية، فإن هذا النوع من الأداء الجاد كان شحيحاً ونادراً، بحيث لا يمكن اعتباره سوى استثناء. وفى المقابل، هيمنت الاعتبارات السياسية والتجارية على الغالبية العظمى من اختيارات صانعى تلك القوائم، إلى حد أن بعضها كرس نفسه لتلميع زعيم سياسى، أو الدعاية لمبدع أو ناشط متوسط القيمة ومحدود الأثر.

نحتاج تصنيفات جادة، تحكمها معايير معلنة وشفافة، لكى نرصد مراكز التأثير والنجاح والإلهام فى مجتمعاتنا.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل