خالد عكاشة خالد عكاشة الجنوب الليبى.. صفقات الاستخبارات وفوضى البنادق
الإثنين 18-02-2019 | PM 10:01

عندما أعلن الجيش الفرنسى الأسبوع الماضى، أن قواته الجوية قامت بقصف رتل مسلح مكون من 40 سيارة دفع رباعى وشاحنة صغيرة، كان فى طريقه من الجنوب الليبى إلى داخل حدود دولة تشاد، حيث قام بعرقلة تقدمه العدائى وفق توصيف الجيش الفرنسى وتفريقه قبل توغله فى عمق الأراضى التشادية. وصف هذا التحرك بأنه فرار استباقى من قبل تلك المجموعة من أمام قوات الجيش الليبى التى كانت فى الطريق لاستعادة السيطرة، وتطهير تلك المنطقة من العناصر المسلحة «على اختلاف أنواعها وانتماءاتها».

أعاد هذا المشهد للواجهة؛ بعض الأحاديث عن قدرات الرصد الإلكترونى «الفضائى» الذى تتجهز به الوحدات الفرنسية، الموجودة على تخوم تلك المنطقة التى جرت فيها عملية القصف. وعن بعض الاختراقات التى تمكنت القوة الفرنسية من تنفيذها استخبارياً على الأرض، ما جعل المشهد يبدو وكأنه فخ محكم أتقن صناعته، كى يجرى استدراج تلك المجموعة بغرض قصفها، وتقليم إمكاناتها التسليحية. لكن عاد أيضاً إلى تلك الواجهة «تيمان أرديمى» القيادى التشادى الذى تعمل تلك المجموعة المسلحة لحسابه، وتستقر على أراضى الجنوب الليبى منذ سنوات، داخل مكون فضفاض يوصف بالتقدير المحلى بأنه «جيش صغير». أرديمى الذى يعيش فى «الدوحة» عاصمة قطر من قبل تاريخ 2011 بسنوات، ولد فى عام 1955، وتدرج فى حياته العملية حتى شغل منصب مدير مكتب الرئيس التشادى إدريس ديبى، لينشق عليه لاحقاً ويقود تمرداً شهيراً فى عام 2008، كاد من خلاله يسقط نظام ديبى بوصول قواته إلى مشارف القصر الجمهورى فى أنجامينا العاصمة. ما استدعى حينها تدخّل كل من باريس وطرابلس لصالح النظام التشادى ضد أرديمى، الذى غادر البلاد بعد هزيمته واستقر به المقام فى الدوحة. ويظل منذ هذا التاريخ فى قطر، إلى أن يعاود أنشطته بعد سنة 2011 إلى اليوم، صانعاً ومستغلاً هو وحلفاؤه الفوضى الأمنية والفراغ الحاصل فى ليبيا.

فى العام 2017 أعلنت تشاد قطع علاقتها بدولة قطر، متهمة إياها بضرب أمنها واستقرارها، عبر دعم فصائل تشادية معارضة ومسلحة، فى كل من ليبيا والنيجر، ولم يكن أمام الدوحة سوى أن ترد على القرار التشادى بالمثل. التقدير التشادى الذى أكدته الاستخبارات الفرنسية، كان حينها يقدر عدد المسلحين المشار إليهم بنحو (11000 مقاتل)، موزعين على ست حركات مسلحة، من بينها قوات ميليشيا «تجمع القوى من أجل التغيير» بقيادة تيمان أرديمى، وهى تعد إحدى أكثر الميليشيات التشادية تسليحاً وعدداً، وتعرف اختصاراً بفصيل (UFR). أبرز مشاركات أرديمى وقواته فى الأحداث على الأراضى الليبية، كانت فى تحالفه الوثيق مع إخوان ليبيا والذى صاغته الاستخبارات القطرية، بتوزيع كامل للمهام بينهما وإنشاء لغرفتى عمليات مشتركة، إحداهما فى الدوحة يشارك فيها ضباط قطريون وممثلون عن أرديمى وإخوان ليبيا، والأخرى على الأرض الليبية فى شرق طرابلس العاصمة بـ«قاعدة معيتيقة الجوية»، معقل عناصر القوات المسلحة المقاتلة للإخوان.

شارك هذا التحالف التشادى الإخوانى معاً، مع «سرايا الدفاع عن بنغازى» التى تنتمى لتنظيم القاعدة، فى هجومها الدامى مايو 2017 على «قاعدة براك الشاطئ» ثم «مطار تمنهنت»، والتى خلفت نحو 140 شهيداً من قوات الجيش الليبى والمدنيين. ثم تلتها أخيراً فى 2018 بقوة قوامها (80 سيارة) دفع رباعى مدججة بالسلاح والمقاتلين، شارك بها مع قوات إبراهيم الجضران التى هاجمت الموانئ النفطية وتمركزت بها فى شهر يونيو بميناءى السدرة ورأس لانوف، قبل أن يجرى طردها وتُمنى بهزيمة نكراء على يد قوات الجيش الليبى.

لم يقتصر مشهد الفوضى فى الجنوب الليبى، على قوات أرديمى على ضخامتها وتحالفاتها المعقدة والمتشابكة، على جانبى الحدود الليبية التشادية. بل كانت هناك أيضاً «الحركة من أجل الديمقراطية والعدالة فى تشاد»، وتتكون هذه الحركة بالكامل من «التبو» غير الليبيين، وتأسست فى جبال تيبستى، حيث غالبية كوادرها انتقلت للعمل فى جنوب ليبيا، كنشطاء يزعمون أنهم ليبيّو الجنسية، وكثير منهم يتصدرون الواجهة فى الجنوب. وأيضاً «جبهة الوفاق من أجل التغيير»، التى تتمركز فى عدة مواقع بالقرب من «سبها» ويقودها الدكتور مهدى على محمد، وذراعه اليمنى الجنرال محمد نورى، الزعيم الشهير للمعارضة التشادية، الذى كاد يستولى على أنجامينا عام 1998. حيث كان يشغل حينها منصباً وزارياً وينتمى لقبائل أناكزة التشادية، التى كان من أبنائها أيضاً الرئيس التشادى السابق حسين حبرى. ويبقى أخيراً «المجلس العسكرى لإنقاذ الجمهورية»، وهى من كبرى حركات المعارضة التشادية، وتتمركز أيضاً فى عدة مواقع بجنوب «سبها»، حيث يعمل قادة المجلس على برنامج تدريبى نشط، تؤكد الاستخبارات الفرنسية بأن لديهم قوات عالية المستوى، تصل إلى (4000 فرد) معظم من انضم لهم من الضباط والجنود التشاديين، الذين ينشقون حديثاً عن نظام إدريس ديبى، خصوصاً من ينتمون إلى قومية (الدازقرا). أعادت الحركة تشكيل مجلس قيادتها مطلع هذا العام، بمجلس مكون من (12 كادراً عسكرياً) على رأسهم «أبكر شريف عيسى»، كأمين عام خلفاً لمحمد حسن بولماى الذى اعتقلته الحكومة النيجرية مع عدد من معاونيه، أثناء محاولته دخول البلاد قادماً من مواقع الحركة فى الأراضى الليبية نهاية العام 2017.

هذه هى بعض من مكونات المشهد، وليس بإجماله الذى يحوى فى طياته العديد من البنادق والتحالفات الأخرى، فعلى سبيل المثال حركة أرديمى تتمتع بصلة وثيقة مع «حركة العدل والمساواة الدارفورية»، بحكم العلاقات القبلية التى تعطى لها ميزات إضافية فى الإمداد وتسهيل التنقل وعبور الحدود، وتصوغان معاً شراكات قديمة مع تشكيلات الجريمة المنظمة، التى تساهم معهما بخدمات لوجيستية ثمينة، تعطى كلتا الحركتين ميزة نوعية عن غيرها من الحركات المسلحة. وهذا ما دفع الاستخبارات القطرية إلى المراهنة عليها، باعتبارها الصانع الأمهر فى تلك المنطقة المتشابكة، للمزيد من الفوضى والتهديد وتصدير كليهما إلى الداخل الليبى، ومنه إلى دول الجوار.

تعليقات الفيس بوك

عاجل