خالد منتصر خالد منتصر العقل الدرامى مسرحَ التاريخ والعقل الغرامى مسخَرَ التاريخ!
10:04 م | الخميس 21 فبراير 2019

الفلسفة اختراع غربى إغريقى، وكذلك الدراما، وكما أتاحت الفلسفة لهم قراءة نقدية للتاريخ ومنهجاً متشككاً فى غربلته، سمحت الدراما بتقليص مساحة القداسة حين صعد الأبطال على خشبة المسرح، خدش المؤلف قداستهم، وعرى المشاهد غموضهم.

مصيبتنا أننا استوردنا الفلسفة بضاعة مغلفة اكتفينا بفض غلافها دون النفاذ إلى كنه صناعتها وكيفية تشكيلها، ثم استوردنا الدراما بعدها بقرون قانعين بالفرجة لا بالمشاركة، راضين بالمسرح لا بالتمسرح، المسرح حالة فرجة سلبية والتمسرح حالة مشاركة إيجابية، وهذه كانت صرخة يوسف إدريس التى حاول تطبيقها فى مسرحيته الأيقونة «الفرافير» التى استوحاها من السامر وكان ينشد فيها شكل التفاعل بين الصالة والخشبة، كان يحلم بأن نعيش جميعاً حالة التمسرح والتفاعل وخلق نص جديد كل يوم.

عندما جاء إلينا كتاب «الشعر» لأرسطو كنا نحسبه يتحدث عن الشعر الذى نعرفه والذى يبدأ بالبكاء على الأطلال ويمر بالغزل والرثاء والفخر والهجاء إلى أن يصل إلى الخاتمة التى لا علاقة لها بالافتتاحية، لكننا وجدنا أن معنى الشعر عنده هو الدراما، هو المسرح، هو الحياة فى صعودها وهبوطها، بلحمها ودمها وأعصابها، لحمة واحدة، نسيج متشابك لا شذرات تفتقد التماسك والإيقاع والاضطراد واللهاث والتصاعد والصراع، شعْرُنا خط مثل رسم القلب به بعض الانحناءات الخفيفة والقفزات المتناثرة، لكنه فى معظم الأحيان يخلو من الصراع الدرامى فيصبح رسم قلب لجثة!، جميل كلغة لكنه فكرياً يقود حتماً إلى التقديس، وهذا هو مأزق قراءتنا التاريخية وبذرته السامة، نحن نقرأ التاريخ كمعلقة شعر طويلة من التقديس والفخار والأحادية الذهنية المكررة الدائرية المرتبطة بحداء الإبل، البطل لدينا ليست له سقطة درامية، وما نظنه سقطة سرعان ما نستخدم آلية التبرير لتحويله إلى إنجاز ومصدر فخار لا مصدر عار، البطل لديهم لديه سقطة بل سقطات، يصارع القدر الذى ينصب له فخاخ الأخطاء والخطايا، المؤامرات عند العقل الإغريقى مباحة للجميع حتى الآلهة، والكل مستباح نقدياً حتى من تُقدم له القرابين، والعرض الدرامى فيه الخشوع والهدوء وفيه أيضاً المجون والصخب، يوم أن طرحت الفلسفة لديهم السؤال لغة وجدلاً منطقياً، يوم أن طرحت الدراما فى نفس التوقيت نفس السؤال تجسيداً وتشخيصاً حركياً، هم مسرحوا التاريخ فتطهروا عبر «الكاثارسيس» الجماعى، أما نحن فحنطنا التاريخ، مسخرناه، سخطناه كمساخيط التماثيل، فتجمدنا عبر التصلب التاريخى المتعدد الجماعى، هم عقل درامى استطاع فهم أن التاريخ صراع، نحن عقل غرامى نفهم التاريخ على أنه اتباع، أقصى أمانينا خلق نسخ فوتوكوبى من ماضيه الذى هو حتماً خير من حاضرنا ومن مستقبلنا، كان خير القرون وسيظل إلى أبد الآبدين خيرها، وإذا حدث ما يسمى بالصراع الدرامى فى تاريخنا نطلق عليه وصف «فتنة»، حتى نلقى بالعبء والحمل والتهمة عن كاهلنا إلى حيث الفضاء السرمدى، ثم نخترع شخصاً سرمدياً آخر، يعيش فى أذهاننا نحن فقط، هو سراب تاريخى، ثقب أسود يشفط كل خطايانا، لكنه يطهرنا كذباً.

المثال الشهير فى التاريخ الإسلامى هو «ابن سبأ» الذى فعل نيابة عنا كل الخطايا، فخرجنا مرتاحى الضمير أننا قد برَّأنا جميع الصحابة الذين خدعهم ابن سبأ، وأعتقد شخصياً أن القبول بأسطورة خداع ابن سبأ لكل تلك القامات والأسماء الكبيرة لا يصب إطلاقاً فى مصلحتهم بل ينال منهم، فأن يضحك عليهم شخص ما مهما كانت قدراته فهذا سيستدعى بالتالى مراجعة كل ما كُتب عن ذكاء وجسارة وشفافية ولماحية هؤلاء، رغم أن «مروان» على سبيل المثال فى الفتنة الكبرى بتصرفاته كان سبئياً حتى النخاع!، فإن كل الرذائل والخطايا التى أصيب بها المسلمون محركها من وجهة نظر التاريخ الإسلامى هو عبدالله بن سبأ، لدرجة أننى تخيلت أنهم سيتهمونه فى وباء إنفلونزا الطيور!

يقول طه حسين: «عبدالله بن سبأ وهم من الأوهام»، ويقول «الوردى» إنه اختراع، ويختتم الفصل الخاص به فى كتابه «وعاظ السلاطين» بقوله: «ابن سبأ موجود فى كل زمان ومكان، فكل ثورة يكمن وراءها ابن سبأ، فإن هى نجحت اختفى اسم ابن سبأ من تاريخها وأصبحت حركة فضلى، أما إذا فشلت فالبلاء نازل على رأس ابن سبأ»!

وبمناسبة قراءة على الوردى الناقدة لمسألة إلقاء التهمة على شخصية مختلقة ومتخيلة، فإن هناك زاوية أخرى فى قراءتنا التاريخية اللادرامية الأحادية التى تحدثت عنها فى البداية، إما الأبيض أو الأسود، على الوردى له قراءة مختلفة ولقطة ذكية تأييداً وشرحاً لما كتبته، قراءة «الوردى» المبتكرة لشخصية «أبى جهل» والتى لا بد أن تثير حفيظة من تعوّد على تقديس القديم المحفوظ بلا نقاش، كتب «الوردى»: «الفرق بين أبى جهل وغيره من نبلاء قريش فى الشخصية لم يكن كبيراً، فمعظمهم كان من الطبقة المرابية المستغلة المتعالية، ومن سوء حظ أبى جهل أنه قُتل فى معركة بدر فى صف المشركين، فنال لعنة الأبد، ولو أن الصدفة ساعدته كما ساعدت غيره فنجا من تلك المعركة ثم بقى إلى يوم الفتح فأسلم لصار من كبار القواد الذين رفعوا راية الإسلام!!

إنها مسألة صدفة فقط، قراءتنا التاريخية لا تصنع وعياً، مجرد تراكم معلومات عشوائى، نحن لا نعى التاريخ بل ننعى التاريخ، التاريخ لدينا يتحول إلى دليل تليفونات بارد، القائد وأمامه الموقعة وتاريخها، وكفى الله المؤمنين شر القتال التاريخى، وابعد عن النقد والوعى وغنى له، التاريخ صار نصاً مغلقاً مقدساً، صار مثل النيش الفخم الذى يحتل حجرات سفرة بيوت المصريين، يعرض الأطباق الفخمة التى لا يؤكل فيها، وفناجين القهوة اللامعة التى لا يُشرب فيها، هو لمجرد الفرجة، التاريخ عندنا مثل النيش، هو لمجرد الفرجة والتفاخر، وليس للوعى وتراكم التجارب والاستفادة منها ونقدها وتجاوزها والبناء عليها.

يقول الفيلسوف الإسبانى جورج سانتيانا: «الذين لا يقرأون التاريخ محكوم عليهم أن يكرروه»، ونحن نحفظ التاريخ ونتلو التاريخ لكننا لا نقرأه، فالقراءة فعل دماغى لا عينى، عمل إيجابى لا سلبى، ونحن نردد كالببغاوات، هذا انتصر وهذا انهزم، وتلك الموقعة تمت فى تلك المدينة سنة كذا، ونظن أننا قد قرأنا التاريخ، التاريخ صيرورة حبسناه نحن فى قارورة، وحبسنا أنفسنا معه، نظن أننا قد تجاوزنا عنق الزجاجة، لكننا تجاوزناه إلى داخل الزجاجة.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عماد الدين أديب

عماد الدين أديب

الظلم والعدل

ياسر عبدالعزيز

ياسر عبدالعزيز

ما فعلته «الجزيرة»

أحمد عبد الظاهر

أحمد عبد الظاهر

السياسة والقانون الجنائى

نشوى الحوفى

نشوى الحوفى

الحصار.. سننتصر

عاجل