خديجة حمودة خديجة حمودة مشاعر قسرية
الأربعاء 13-03-2019 | PM 10:02

الحرية من أجمل المشاعر التى نعيشها وتعطى لكل ما يحيط بِنَا مذاقاً جميلاً ممتعاً ومنعشاً ومشبعاً ومبهجاً، وتقضى وتقاوم أى أوجاع أو إحباطات أو مشاعر قاسية، قد تحيطنا وتغرقنا بعد ضياع الأحلام أو إسدال الستار على قصص الحب أو فقد الأعزاء وشركاء الحياة أو انهيار الطموحات والمشاريع المستقبلية وتغيير الهويات واستبدال اللغة الأم، والبعد عن الأوطان والذكريات، وهى معروفة لجميع المخلوقات، فالطيور والحيوانات، وحتى النباتات تعرفها، فهل رأيت وردة صغيرة تقف فى وضع مثالى لقاطفيها أو شجرة يانعة تنمو فروعها، كما يريد صاحب الأرض التى زُرعت فيها، أو فرع من نبات متسلق فوق جدار منزل يسير فى خط مستقيم أفقى أو رأسى أو يرسم زاوية قائمة أو منحرفة أو عصفور صغير يقف على نافذة اختاروها له ليغرد ويطرب صاحبها أو طفل رضيع يستكين فى حضن امرأة لا توجد بينه وبينها مشاعر حقيقية، أو تفاعل كيميائى، كذلك الذى يربط الأحبة حياة كاملة بلا ملل أو ضجر، فكل واحد من هؤلاء يبحث عن حريته، ويرفض تماماً أى توجّه قسرى.

وللحرية أنواع وجنسيات ومذاهب، ومن أجمل صورها، وأثمنها على الإطلاق (حرية المشاعر)، فصورة صغار المخلوقات داخل أقفاص الأسر، وهى تتبادَل الحب، ويحتضن كل منها وليفه ويناجيه، ويقتسم معه الحَب بفتح الحاء، والحُب بضمها، هى أصدق دليل على ما أقول. وإذا كتب على أىٍّ منا أن يعيش مشاعر قسرية، فعادة ما تكون بداية نهاية إنسانيته وأجهزة جسده ووظائفها الحيوية وفى النهاية يصمت قلبه تماماً وتتوقف حياته من شدة المعاناة وكسر الخاطر والقلب.

والقسر مصدر، ويقولون عامله بالقسر، أى بالإكراه، وأخذ شيئاً قسراً، أى ظلماً وعنوة، وإذا قالوا إن فلاناً قسر شخصاً ما أو أقسره على الأمر فيعنى أنه أكرهه عليه ويقتسر غيره أى يقهره وقسره على بيع أرضه يعنى أجبره على بيعها. فما بالكم ببيع الأنفس؟.

وفى أحد الحوارات الصحفية مع كاتب شهير راحل، قال وسط كلماته إنه ينسى اللغة العربية وأى معنى أو تعبير أدبى وتفقد أصابعه القدرة على الإمساك بالقلم إن شعر بأنه يكتب قسرياً. فالإبداع واحد من تلك المشاعر، التى لا يمكن ممارستها قسرياً، ولعل الأعمال الخالدة من قصائد شعر وروايات وألحان تؤكد صحة تلك المقولة، لأنها تعيش بيننا وتتوارث الاستمتاع بها الأجيال بسبب ما تضمّه وسط مكوناتها من مشاعر حقيقية انطلقت وانتشرت وصالت وجالت مستمدة قدراتها من حريتها.

وإذا أردتم أحبائى وأصدقائى أن تعرفوا الفرق بين المشاعر القسرية والأخرى على نقيضها تماماً، فيكفى أن تستمعوا إلى سيدة الغناء العربى عندما تتراقص أثقل الحروف العربية بين شفتيها وتنطق بها واضحة سلسة لها رنين لتُثير الشّجن والذكريات وكل آلام العشاق، وهى تقول (ماخطرتش)، فيتبادر إلى ذهنى سؤال غريب إلى حد ما، وهو من منا يمكن أن تخرج تلك الحروف المترابطة بهذا الجمال، وتلك الرشاقة من فمه إن كان يعيش قسرياً؟ فالميم المفتوحة تعقبها الخاء، مثلها ثم أثقل حروف العربية الطاء، ووراءها التاء، والفرق بينهما لا نشعر به إلا من ذوى الحناجر الذهبية، ثم الشين الساكنة، فأى حنين ذلك الذى أوجع شاعرنا، فأخرجها من بين نبضاته وضلوعه ووهبها لها، لتطلقها من بين شفتيها حرة قوية.

وهل يمكن أن يكون هذا هو الحنين للحرية، ويبدو أن الأيام تتوالى وتتبدّل على الأجيال والمعاناة واحدة، والقسر فى الحياة لا يختلف بينها، فهناك من يعيش قسرياً فى قوقعة تجاوره حبات اللؤلؤ، وآخر فى غرفة جدرانها من ذهب، وأثاثها صُنع وتشكل من الأحجار الكريمة، وثالث لا يرتدى إلا ثياباً صُمّمت له، وانتظروا مواسم الحرير الطبيعى ليغزلوها له، ومن حوله الحراسات والعربات والطائرات، فى انتظار تحقيق رغباته، فور أن تتحرك عيناه فى أى اتجاه والجميلة، التى يقدمون لها كل غالٍ وثمين، فى محاولة لأن تقول (نعم)، أو تعطى إشارة الموافقة لحياة جديدة، أو الاستمرار فى طريق مبهر للكثيرين، لكن لها هى تصطبغ بالقسر والقهر واللا مرغوب.

إن كل هؤلاء وغيرهم وأنا منهم، لا يعيشون إلا المشاعر القسرية المنهكة لخلايا الروح والجسد وقاكم الله وحماكم من هذه الكلمة ومرادفاتها ومعانيها، وأهداكم واحدة من أجمل العطايا والمنح السماوية (الحرية).

 

 

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل