خالد منتصر خالد منتصر التراث بين الاستمرار والاجترار
10:02 م | الخميس 21 مارس 2019

التراث عندنا هو الماضى محنطاً ومجمداً، التراث عندهم هو الماضى متجدداً ومنتقداً، التراث عندنا صنم وطوطم ندور حوله ونلف فى محرابه من على مسافة وبعد، نخشى تنظيفه من ذرات تراب الزمن المتراكمة خشية أن تكون من ضمن المقدسات، التراث عندهم لوحة تنشين لسهام الغربلة والتنقيح والتفنيد والرفض الثورى والقبول الحذر والقراءة المتشككة، لديهم دائماً مكنسة مشحونة دوماً لإزالة كل الأتربة التى تجعل الرؤية ضبابية، هذا هو الفرق التاريخى بين تراثنا وتراثهم، بين نظرتنا إلى ماضينا ونظرتهم إلى ماضيهم، انفردنا بمصطلحات تترجم حيرتنا واضطرابنا إزاء التعامل مع صنم الماضى، ذلك الماضى الذى حولناه إلى غيمة كثيفة سميكة سوداء، لا هى تمطر فتنبت قمح الأمل، ولا هى تتخلى عن مواراة الشمس فتضىء المستقبل.

الماضى، المفروض أنه استمرار لا اجترار، يستمر مدمجاً فى حاضرنا بعد التشكيل والتحوير والتحرير، وليس مستقلاً ككتلة اجترار فى سنام سئيم أحدب، مثل زائدة دودية لا وظيفة لها إلا الانفجار، حولنا التراث من مساعد إلى خصم ومنافس، برفضنا للإدماج الإيجابى العاقل وإصرارنا على التقديس الجنونى الهستيرى.

بلغة الطب الحديث، صار التراث والماضى فيروساً يسكن نواتنا ويأمر مادتنا الوراثية الثقافية بإنتاج نفس هويته، وإرسال المدد الغذائى والإمدادات الأخرى التى تنميه هو وتميت النواة وتقتل الكائن الذى يستضيفه، يتحول من مجرد ساكن ضيف إلى صاحب المسكن، انقسامات مادتنا الوراثية هى لخدمة ذلك الفيروس الماضوى، الفيروس تحت الميكروسكوب كائن خامل لا حياة فيه، كبللورة سكر خرساء مشلولة، ما إن تدخل نواتنا الحاضرة حتى تتحول إلى وحش يلتهمنا، الهندسة الوراثية وجدت حلولاً واخترعت علاجاً للعطب الذى يحدثه فيروس كتب الطب ولم يعالج بعد فيروس كتب الماضى، عالج بإدماج جين يساعد الجسد على الشفاء، الجين لا يعطل بل يساعد على الشفاء، يشترك فى أوركسترا الجسد كعازف، ولا يشترك كنغمة نشاز بدون نوتة موسيقية مثل فيروس التراث الحجرى.

يصف د.فؤاد زكريا تلك العلاقة المريضة بيننا وبين تراثنا فى بحث عنوانه «أزمة التطور الحضارى فى العالم العربى»، قدمه فى الكويت 1974، قائلاً: «الماضى ماثل دائماً أمام الحاضر بوصفه قوة مستقلة عنه، منافسة له، تدافع عن حقوقها إزاءه، وتحاول أن تحل محله إن استطاعت، نظرتنا إلى الماضى لا تاريخية»، هذه الصفة اللاتاريخية التى يؤكد عليها أستاذ الفلسفة الراحل يضعها فى مواجهة النظرة الغربية التاريخية التى تتأمل التاريخ من منظور نسبى، وبصفته مرحلة وانتهت، واندمجت فى مراحل لاحقة تجاوزتها بالتدريج، الماضى عندنا دائم الحضور فى الحاضر، متصادم معه، من هذا المنطلق تصبح كلمة «إحياء التراث» كلمة سيئة السمعة، لأن قصدنا من تلك الكلمة أو ذلك الطلب هو التكتيف والعرقلة فى سباق الحضارة وليس الانطلاق والتجاوز، نؤكد عليها لنظل نردد كالأسطوانة المشروخة «لقد سبقنا»، وليس «لقد حققنا»، عندما ننهض من سباق المسافات الطويلة للحضارة نعود إلى نقطة البداية لتسلم العصا من الماضى التليد، ولا نتسلم العصا من النقطة التى وصل إليها متسابقو حضارة الحداثة، لم نفهم أن قوة التراث فى تجاوزه وليس فى التشرنق داخله، يعبر عن هذا المعنى د.فؤاد زكريا فى نفس البحث القيم، عندما قال «يوجد القديم فى الجديد لا بمعنى أن الجديد يعود إلى القديم أو يستلهم منه أفكاره، لكن بمعنى أن القديم يتيح للجديد فرصة تجاوزه وتصحيحه، ومن خلال أخطاء القديم تأتى القوة الدافعة التى تولد الجديد، ولو شئنا أن نلخص فى كلمة واحدة التضاد بين النظرة إلى التراث التى تؤدى إلى تقدم فكرى، وتلك التى لا يترتب عليها سوى التخلف، لقلنا إن التراث فى الأولى يحيا من خلال موته، أما فى الثانية فإنه يموت من خلال حياته».

ومن لغة الفلسفة إلى لغة الطب مرة أخرى لتبسيط وتأكيد المعنى، هم تعاملوا مع التراث على طريقة الإنقاذ بزرع الأعضاء وإنعاش العضو بالتجديد أو الإحلال أو الإضافة أو الحذف، لكننا تعاملنا مع التراث على طريقة ضخ الأوكسجين للميت إكلينيكياً، التراث عندنا جذع مخه ميت ونحن نعيش على أمل أن تعيد المحاليل والأسطوانات الحياة إلى جسد الماضى البارد، للأسف ونحن فى عصر يضيق فيه المكان وتتجاور المسافات ليصبح العالم قرية صغيرة، ويتسع الزمان وتتعمق فجوته ليصبح الجيل مغترباً عن جيل يكبره بسنوات قليلة، فى هذا العصر ما زلنا ندمن ونخزن قات الماضى فى زاوية الفم المرتعش، نجتر منها حلول الحاضر والمستقبل.

«هل نمتلك شجاعة الانسلاخ أم نظل فى مرض الاستنساخ؟»، سؤال طرحه الباحث العراقى همام طه فى جريدة «العرب»، عدد 28 أغسطس 2017، ارتفع فيه سقف المواجهة مع التراث إلى المناداة بالقطيعة المعرفية معه، وقد وضح الباحث لماذا القطيعة وما هو معناها؟، فهو بالطبع لا يقصد أن نرمى كتب التراث فى سلة القمامة، ولكن بمعنى «التحرر من النفوذ الفكرى والقيمى الذى يتمتع به التطرف والأصولية فى مجتمعاتنا، وإنهاء «الإمبريالية الثقافية» للتراث وهيمنته على العقول والضمائر، فهو متغلغل فى خرائطنا المعرفية ونسيجنا الثقافى، إذ يستعمر الماضى الحاضر ثقافياً، ويتسبب فى تشويهه وتجريفه اجتماعياً وسياسياً، أى إن التاريخ يمارس غزواً واحتلالاً مستمرين للحاضر والمستقبل، ويفسر سعيه لتلك القطيعة بأننا «عندما نضفى هالة القداسة على التراث الدينى فإننا نسمح له بقمع الحاضر ثقافياً، وما قوانين ازدراء الأديان وما يحصل لكل من يفكر خارج الصندوق التراثى من إهانة واستباحة إلا نتيجة لهذا الاستعمار الثقافى الماضوى للمجتمعات العربية».

يرى البعض هذا موقفاً راديكالياً متشدداً، لكن كم الدماء النازفة والتخلف المتراكم مع وطأة الشلل المزمن وحجم الأطلال والأشلاء تفرض على المفكر هذا الموقف الراديكالى، ويفسر همام طه تلك الراديكالية بقوله: «وليس فى الدعوة للقطيعة المعرفية مع المقاربة الأصولية للتراث إقصاءٌ لما فيه من قيم نبيلة وصور للتسامح، ولكنها محاولة لمَوْضَعة هذه القيم فى سياق رأس المال الأخلاقى الإنسانى الموجود على امتداد التاريخ والجغرافيا، وهو ليس حكراً على التراث الدينى الإسلامى وحده، ما يستوجب إعادة إدماج الوعى الإسلامى ضمن الوعى الإنسانى وتفنيد فكرة احتكار المسلمين للخيرية زماناً ومكاناً وإنساناً، فلماذا نفترض أن الخير فى الماضى فقط وليس فى الحاضر أو المستقبل، ولماذا تكون الفضيلة فى بقعة دون أخرى من هذا الكون، ولماذا يعتقد المسلم أنه أرقى من غيره بحكم الدين والهوية؟».

إذن، لا بد لنا أن نكف عن المشاركة فى عرض أزياء العالم بنفس نسيجنا المهترئ ولكن لا بد من تغيير النول وماكينة النسيج نفسها، لا بد من طرق دروب التاريخ الثورية المضيئة المتمردة فى هذا التراث، جسارة الحفر فى طبقات جيولوجية أعمق وأكثر ثراءً، لا بد من عودة التراث إلى دائرة الظن التى تحكم المعرفة والعلم، وإخراجه من ساحة يقين العقيدة التى تحكم الدين والدوجما، إنها «الفرمتة» لكى يبدأ تحميل الويندوز الحضارى الحداثى الجديد بدون فيروسات الهاكرز الماضويين التكفيريين، وقد عبر عنها الباحث همام طه حين كتب: «يبدو جلياً أن الذى تسبب فى تقديس التراث عربياً هو القول بحاكمية النقل على العقل. وفريضة العصر اليوم قلب هذه المعادلة بجعل العقل حاكماً على النقل ونزع القداسة عن التراث وتركه ليواجه الاختبارات الثقافية والفحوص المعرفية والتحديات الحضارية من دون حصانة دينية، فالمطلوب تصفير ثقافى وقطيعة مع الماضوية، إذ لا يمكن إبرام تسوية مع الأصولية، إن المكانة والسلطة الممنوحتين للتراث الدينى هما ما يغذى أيديولوجيا الإسلام السياسى، فتقديس التراث هو منبع التطرف، وعلينا تجفيف منابع التقديس تمهيداً لمكافحة الكراهية. الإسلام السياسى هو وليد الإسلام الأصولى أى إسلام التراث الدينى، وسيبقى الأول ما بقى الثانى».

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل