د. محمود خليل د. محمود خليل المهاميز والمنشفة
10:13 م | الإثنين 25 مارس 2019

الشللية سمة أصيلة من سمات الفكر المملوكى. وتعبر عن مجموعة أشخاص من ذوى النفوذ يحاولون دفع بعضهم البعض إلى دوائر المصالح، ليتبادلوها فى ما بينهم ويقتسمون مغانمها بنظرية «شيّلنى وأشيّلك». وعادة ما تلتئم الشلة فى نسيج واحد وقت المغارم أو محاولة شلة أخرى النّيل منها، فتجتهد فى ضرب الغريم بما وسعها من «مهاميز» أو «دبابيس»، لكنها كثيراً ما تختلف وقت المغانم، إذ يطمع كل طرف بها فى النصيب الأكبر. وشلة «إسماعيل صديق» أو «إسماعيل المفتش» تعد نموذجاً شاخصاً على واحدة من أبرز سمات «المملوكية» فى عصر الخديو إسماعيل.

إسماعيل صديق، وكان يلقب بـ«الخديو الصغير» شقيق بالرضاعة للخديو إسماعيل. وقد أولاه الأخير الكثير من الوظائف تمدّد نفوذه من خلالها. وقد اجتهد المؤرخون -فى مصر ما قبل الثورة- فى تحميل «صديق» كل أوزار الخديو إسماعيل، واتّهمه إلياس الأيوبى فى كتابه «تاريخ مصر»، بالاستئثار بالسلطة، وعدم مشاورة مليكه، وأنه استغل وظيفته كمفتش عام فى خلق شلة «استغلال نفوذ»، فكان الكل محاسيبه يفعمون جيوبه بالمال الذى يعتصرونه من جسم الفلاح ليستبقوا لأنفسهم رضاه عنهم. ويبالغ «الأيوبى» أكثر حين يلصق بـ«المفتش» إغراق مصر فى الديون عندما أصبح مسئولاً عن الخزانة (وزيراً للمالية). جمع المفتش ثروة طائلة بطرق يصفها «الأيوبى» بغير المشروعة والفظيعة، وأن ما لديه من مال كان يزيد كثيراً عما يمتلكه أى أمير، وقد جعله ذلك مثار حسد العائلة المالكة، فحرّضوا الخديو عليه كثيراً، لكنه لم يسمع إلى أحد.

أياً كان حجم فساد «إسماعيل المفتش» كبيراً كما يصف البعض، أو صغيراً كما يصف آخرون، فإنه أبى أن يخرج من الحكومة إلا بزفة مدوية، حين أصر على رفض المراقبة المالية الثنائية على مصر، وطنطن بأن سقوط استقلال البلاد يبدأ بإلغاء وزارة المالية المصرية، ووضع مالية البلاد فى يد أجنبى يتولى إدارتها لتُسدّد مصر ما عليها من ديون. وعيّن الخديو إسماعيل نجله البرنس حسين كامل وزيراً للمالية مكان «المفتش»، ويومها سخر الأخير من الخديو ونبّهه إلى أن وجود نجله فى موقع الوزارة سيجعله عرضة لغضب الأهالى، فى حين أن الأمر كان مختلفاً أيام كان وزيراً، لأن سخط الأهالى كان يتوجّه نحو الوزير، وليس إلى الخديو، وكأنه أراد أن ينبّه «إسماعيل» إلى حاجة الحاكم إلى «منشفة» ينظف يديه فيها، وأن من المستحيل أن يقوم ابن الحاكم بهذا الدور. إنها المملوكية من جديد.

أنهى الخديو إسماعيل حياة «إسماعيل المفتش» بطريقة درامية تتشابه نسبياً مع الطرق التى اعتاد عليها المماليك فى التخلص من خصومهم. فدعاه إلى نزهة فى عربته الخاصة المكشوفة، وأخذ يتجول معه أمام أهل العاصمة حتى وصل به إلى سراى الجزيرة، وهناك أعطى الأوامر للحرس بالقبض عليه، وتركه ومشى. أصدر الخديو بعد ذلك بياناً أعلن فيه أن «المفتش» سعى إلى التآمر عليه وإثارة عواطف الأهالى بالحديث عن قبول مليك البلاد تسليم ماليتها إلى مراقبين أجنبيين، وأنه يبيع البلاد للمسيحيين، وأقام نفسه مقام المدافع عن بيضة الدين ومصلحة البلد، وأنه بناءً على هذه التهمة الشنيعة حكم عليه بالنفى إلى دنقلا بالسودان، ليودع فى سجن سحيق بها، بعدها أعلن رسمياً عن وفاة إسماعيل المفتش، بسبب انهماكه فى شرب الخمر، وهناك من قال إنه مات على المركب الذى أقله من مصر إلى السودان، ومن قال إنه مات فى دنقلا، ويبقى أن التضارب بين أقوال المؤرخين فى الطريقة التى انتهى بها أمر «المفتش» يؤشر إلى حالة الغموض التى اكتنفت سطر النهاية فى مسيرة حياته.

تعليقات الفيس بوك

عاجل