بوكر تثير الجدل.. ونقاد ومثقفون ما بين مؤيد ومعارض

كتب: ماريان سعيد

بوكر تثير الجدل.. ونقاد ومثقفون ما بين مؤيد ومعارض

بوكر تثير الجدل.. ونقاد ومثقفون ما بين مؤيد ومعارض

جدل يكاد أن يكون متكررا كل عام بل مع كل جائزة، ففي كل عام مع إعلان جائزة الرواية العربية البوكر، تثار العديد من الآراء بشأن "تسييسها" لكن الوتيرة زادت هذا العام وخصوصا بعد انسحاب الكاتبة العراقية إنعام كجه جي الفائزة بالقائمة القصيرة للبوكر عن روايتها النبيذة، عن حفل إعلان الجوائز وكتابه منشورا على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" تشكك فيه في نزاهة اللجنة.

وكتبت أنعام كجه جي: "الآن بدأ في أبو ظبي حفل الإعلان عن الفائز بجائزة البوكر للرواية العربية، وجدت أن من المناسب الامتناع عن حضور الحفل بسبب التسريبات التي سبقته وتضر بهذه الجائزة، لا يمكنني المشاركة في ما نسميه باللهجة العراقية عرس واوية، مبروك للعزيزة هدى بركات فوزها بالبوكر، وهي تستحق ما هو أفضل من هذه الجائزة التي كانت على حق يوم دعتني لمقاطعتها".

هدى بركات تستحقها

وقال الناقد حسين حمود أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة، إن خلال السنوات الأخيرة، أثير جدل واسع حول بعض الجوائز التي قدمتها البوكر، لكن ليس كل الجوائز متصورا أن هناك بعض الفائزين والفائزات بجائزة البوكر العربية، منذ بدايتها وحتى الآن يستحقون الحصول على هذه الجائزة، مؤكدا أن فوز هدى بركات بهذه الجائزة في هذه السنة فوز مستحق تماما.

وأكد الناقد الأدبي في تصريحاته لـ"الوطن" أن فيما يخص موقف إنعام كجه جي بانسحابها من الحفل، وبعض الملابسات الأخرى والتي منها تصريحات هدي بركات نفسها في كلمتها عند استلامها الجائزة فإن كل هذا لا يمنع كون أعمال هدى بركات تمثل علامة مهمة في المشهد الروائي العربي المعاصر، وأنها تستحق أن تحصل على هذه الجائزة، وهي في النهاية لم ترفضها، مؤكدا أن لجنة التحكيم في هذه السنة لجنة معروفة بالنزاهة والحيادية وبالاهتمام بالعمل الأدبي من حيث هو عمل أدبي ولا تنطلق من انحياز سياسي أو جغرافي.

وقال الروائي هشام الخشن، الذي دخلت روايته "جرافيت" عام 2015 قائمة الطويلة لجائزة "بوكر"، إن في كل عام يثار الجدل حول الجائزة مؤكدا أن فوز هدى بركات بجائزة البوكر لا يشكك في نزاهة الجائزة بأي شكل من الأشكال، فرواية "بريد الليل" "عظيمة"، حسب تعبيره، وجودة الرواية لا يقلل من جودة وكفاءة الأعمال المنافسة له، فـ"الكتاب عظيم ورائع" لكن الجائزة تقتضى فائزا واحدا، وكان فوزها في سياق متوقع قائلا: الجائزة هي التي ربحت هدى بركات فهي كاتبة لها شأنها وروايتها جيدة جدا".

وتابع الخشن، في تصريحاته لـ"الوطن" أن كل لجنة لها ذائقة مختلفة، وهذا لا يقلل منها فلجنة تحكيم البوكر تقرأ كل الروايات وتختار 16 كأفضل 16 رواية في العام، ثم يحدث انتقاء آخر للقائمة القصيرة حتى يتوج عملا واحدا ليفوز بجائزة الرواية العربية، مؤكدا اختيار الروايات في القائمة الطويلة شرف في حد ذاته وتكريم القائمة القصيرة له أبعاد ثانية مثلا ذائقة اللجنة، فهناك نقاد يمليون للرواية التاريخية وآخرون للكتابة النسائية وهكذا".

وأكد الكاتب الذي دخل القائمة الطويلة للبوكر في 2015 أن ما يشكك في نزاهة أي جائزة هي ألا تقرأ الروايات المتقدمة وهو ألا يحدث في البوكر فاللجنة تؤدي عملها في ضوء ذائقتها الأدبية، مؤكدا أن البوكر من الجوائز التي يعد الحصول عليها شرفا أدبيا.

سقوط البوكر

قال الكاتب الروائي خليل الجيزاوي وكيل وزارة بالمجلس الأعلى للثقافة، أن فوز الكاتبة هدى بركات يثار حوله كلام كثير، وأن هناك تسريبات تؤكد من أبلغ الروائية العراقية إنعام كي جي بأنها الفائزة، بدليل عدم حضورها حفل إعلان الجائزة، وهناك تسريبات أخرى أكدها الكاتب الروائي عبده وازن الساعة الواحدة ظهرًا، بينما تم الإعلان عن الجائزة في السابعة مساء، تؤكد أن هدى بركات انسحبت من القائمة القصيرة لجائزة البوكر، أو طلبت من دار الآداب عدم الاستمرار في مسألة الترشح، للضغط على لجنة التحكيم، ثم اتصلت بها لجنة التحكيم ورفضت، وأخيرًا طلبت لجنة التحكيم من دار الآداب ناشر روايتها: بريد الليل، بمحاولة إقناع هدى بركات بقبول الاستمرار في الترشح للجائزة، ووعدوها بالحصول على الجائزة.

وأوضح الجيزاوي أن هدى بركات أكدت أن هذه التسريبات الصحيحة عندما قالت في كلمتها بعد تسلمها جائزة البوكر: "إن لجنة التحكيم تُصالحني"، قائلا لـ"الوطن": هذا "سقوط" لجائزة البوكر حيث إن من المفروض أن لجنة التحكيم سرية، وأنه ممنوع على أعضاء اللجنة الاتصال بأحد المرشحين، ولكن هناك علامات استفهام كثيرة، وشبهات فساد ومجاملات تحوم حول حصول بركات على الجائزة هذا العام، والمتفحص لأسماء لجنة التحكيم يجدها أسماء متواضعة جدًا، لا تكاد تذكر بين الأوساط الأدبية والثقافية.

وأكد الكاتب إبراهيم عادل مسؤول عن نادي لقراء المحترفين، إن الجائزة تثير الكثير من الجدل بمجرد إعلان القوائم الطويلة والقصيرة، وذلك لاختلاف الأذواق، فيثار الجدل الدائم بخصوص من له أحقية الحصول عليها، مؤكدا أنها ترجع لاختلاف وجهات نظر واختلاف الذائقة الأدبية من ناقد لآخر ومن قارئ لآخر، وخصوصا وأن لجنة التحكيم تتغير في كل عام، متابعا: "من الواضح أن هناك حسابات أخرى غير أدبية للجائزة".

وتابع عادل لـ"الوطن"، أن المشكلة هذا العام تختلف عما يثار من جدل كل عام، نظرا لانسحاب الكاتبة أنعام كجه جي من حفل الإعلان عن الجائزة ما يطعن في نزاهة الجائزة، قائلا: "الجائزة التي ظنت أنها تمنح نفسها لنص أدبي متميز، منحت لاسم هدى بركات مش رواية برد الليل، وهذا ما قالت الكاتبة في حفل استلامها الجائزة، وهو ما أغضب الناس".

وكانت هدى بركات قالت في أثناء استلامها جائزة البوكر العربية: "في الحقيقة أريد أن أشدد على شكر لجنة التحكيم فأنا كما بات معلوما كنت رفضت ترشيح بريد الليل للبوكر حين طلبت مني دار الآداب أن أرشحها فقلت (كلا أنا زعلانة منهم) ذلك لأن في سنة 2013 كنت كتبت رواية لا أزال فخورة بها جدا وهي ملكوت هذه الأرض ولم تصل إلى القائمة القصيرة وحين التقيت بالصدفة عام 2015 في لندن بالسيد جوناتون تيلور قال لي ما رأيك بجائزة البوكر بنسختها العربية قلت ليست جيدة لأني كنت لم أرقَ حتى إلى القائمة القصيرة وبعد ذلك مرة أخرى قلت لناشرتي كبرت على الامتحانات وأني لا أريد أن أتقدم لهذه القائمة من جديد لذا مرة ثانية أشكر لجنة التحكيم لأنها شجعتنا على الترشح حيث طلبت ترشيح الرواية وكان لنا هذه المرة أمل في أن تشق هذه الرواية طريقها".

ويعلق عادل قائلا: "هذه الكلمة تبدو وكأن هدى بركات هي من حصلت على الجائزة وليست روايتها بريد الليل"، وبالتالي يتبادر السؤال إلى الذهن هل الجائزة تحسب للأشخاص فثلا كانت هناك العديد من التوقعات بفوز روائية امرأة للجائزة حتى قبل إعلان القوائم، فإذا كان الأمر كذلك تتحول من جائزة تقدم للأعمال الأدبية إلى جائز تقدم للأدباء، متابعا أن هذا العام الجائزة فقدت مصداقيته.

وأكد عادل أن الجدل المثار بشأن الجائزة يدل على الوعي الثقافي لدى القراء في الوطن العربي فقبل البوكر لم يكن هناك هذا الزخم الفكري لدى القراء ولم يكن هناك انفتاح على الآداب في الدول العربية الأخرى، فضلا عن عدم وجود وسائل تواصل للتعبير عن الآراء، لكن في الوقت الحالي نشهد توقعات قبل إعلان القوائم من الجمهور بناء على قراءاتهم، مؤكدا الوعي والاهتمام بالرواية وبالجوائز الأدبية.

كوارث وليست جوائر

أما الناقد يسري عبد الغني، في حديثه لـ"الوطن"، رفض الجائزة بشكل عام حيث يرى أن المشهد الروائي يتعرض للعديد من المشكلات وآخرها ما أصاب الجوائز الأدبية الخاصة بالرواية من داء داخلي ذكي يهدد الجنس الروائي نفسه دون أن يدري، فانتشار الجوائز ذات المبالغ المالية الكبرى والممولة من بلدان ليست لها تقاليد أدبية في هذا الجنس الأدبي باعتباره حالة من التحرر المطلق يمثل خطرا على الرواية، لأن واضعي الجوائز وضعوا معها شروطهم المتناقضة مع أدبيات الفن الروائي، فهذا الجوائز المحافظة أصبحت تحول وجهة الكتابة الروائية نحو قالب جديد مغربلة لغتها ومشاهدها ومضبوطة أقاصي جرأتها.

وانطلقت الجائزة العالمية للرواية العربية لأول مرة في عام 2007 في أبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يوجد مقرها، وتم تنظيمها بتمويل من هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة وبدعم من مؤسسة جائزة بوكر البريطانية، وتمنح الجائزة في مجال الرواية حصرًا ويتم ترشيح قائمة طويلة يستخلص منها قائمة نهائية (قصيرة) من ست روايات لتتنافس فيما بينها على الجائزة.


مواضيع متعلقة