أحمد عبد الظاهر أحمد عبد الظاهر دور القانون والقضاء فى تعزيز ثقافة التسامح
10:03 م | الثلاثاء 14 مايو 2019

«رمضان» هو شهر التسامح والرحمة والمغفرة. فالأمر الإلهى بالصيام ليس فقط للامتناع عن الأكل والشرب، بل لغرس الفضائل وتعويد الناس عليها، والمسلم فى هذا الشهر يجب أن يتحلى بالأخلاق الكريمة، ويعفو ويبدأ هو بالتسامح حتى وإن أخطأ الغير فى حقه. وما أشد الحاجة فى عالم اليوم، أكثر من أى وقت مضى، إلى التسامح والتعايش الإيجابى بين الناس، نظراً لأن التقارب بين الثقافات والتفاعل بين الحضارات يزداد يوماً بعد يوم، بفضل ثورة المعلومات والاتصالات والثورة التكنولوجية التى أزالت الحواجز الزمانية والمكانية بين الأمم والشعوب، حتى أصبح الجميع يعيشون فى قرية كونية كبيرة. وقد حثت كل الأديان السماوية وغير السماوية على فضيلة التسامح. وفى القرآن الكريم أكثر من آية تدعو إلى اللين والسلم ونبذ العنف والبطش، نذكر منها قوله تعالى فى الآية 22 من سورة النور: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ). ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى). وفى المسيحية، ثمة العديد من الوصايا التى تأمر بالتسامح، نذكر منها: «من استغفر لمن ظلمه فقد هزم الشيطان»، «عاشروا الناس معاشرة إن عشتم حنّوا إليكم وإن متّم بكوا عليكم». واتساقاً مع القيم الدينية والأخلاقية التى تدعو إلى التسامح، وحرصاً على تناغم المنظومة القيمية فى المجتمع، حرص المشرع المصرى على تعزيز قيمة التسامح؛ بيان ذلك أن المادة 448 من القانون المدنى تنص على أنه «لا يضمن البائع عيباً جرى العرف على التسامح فيه». وبخصوص عقد الإيجار، تنص المادة 576 البند الأول من القانون ذاته على أن «يضمن المؤجِّر للمستأجر جميع ما يوجد فى العين المؤجَّرة من عيوب تحول دون الانتفاع بها، أو تنقص هذا الانتفاع إنقاصاً كبيراً، ولكن لا يضمن العيوب التى جرى العرف بالتسامح فيها..»، وحتى لا يضار الشخص بتسامحه، تنص المادة 949 البند الأول من القانون المدنى على أنه «لا تقوم الحيازة على عمل يأتيه شخص على أنه مجرد رخصة من المباحات أو عمله يتحمله الغير على سبيل التسامح».

ورغم أن المادة 949 مدنى قد وردت فى شأن الحيازة كسبب لاكتساب الملكية، فإن قاعدة «التسامح لا يولد حقاً» تعد بمثابة حكم عام صالح للتطبيق فى كل صور المعاملات المدنية. وقد حرصت أحكام النقض المصرى على تأكيد عمومية هذه القاعدة وشمولية تطبيقها فى العديد من الأقضية. فعلى سبيل المثال، وفى أحد أحكامها، أعملت المحكمة الكائنة على قمة القضاء العادى فى مصر قاعدة «التسامح لا يولد حقاً»، مبينة علة هذه القاعدة قائلة إن «ما يقوم به الشخص على سبيل التسامح لا يمكن أو يصح أن يثقل كاهله أو يربطه بالتزام»، مؤكدة أن «أعمال التسامح لا تكسب حقاً مهما طال الزمان ولا يضار المتسامح من جراء تسامحه ولا يؤول هذا التسامح بأنه تعديل لنص العقد» (حكم محكمة النقض الصادر بتاريخ 15 يونية 1967م، الطعن رقم 144 لسنة 34 القضائية مدنى، مجموعة الأحكام، السنة 18، العدد الثالث، رقم 196، صـ1292).

إن المجتمعات التى تقوم على التسامح هى التى استطاعت أن تجد لنفسها مكاناً بين الأمم المتقدمة المستقرة المزدهرة اقتصادياً واجتماعياً. وتشجيعاً للأفراد على سلوك سبيل التسامح، حسناً فعلت أحكام القضاء المصرى بالحرص على عدم إضرار المتسامح من جراء تسامحه. إذ يسهم ذلك بلا شك فى إقدام الأفراد على سلوك سبيل التسامح، دونما خشية أو خوف من أى تفسيرات ضارة بمصالحهم لهذا السلوك. ويندرج ذلك فى اعتقادنا ضمن «الدور التربوى للقانون والقضاء».. والله من وراء القصد.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل