رجائى عطية رجائى عطية من مستصغر الشرر!
10:03 م | السبت 08 يونيو 2019

ذاعت الأخبار، لاسيما فى الصحف المالية المتخصصة، بأن البنوك المحلية بدأت اتخاذ خطوات مبكرة لتعديل سعر الفائدة، ومن ثم العبء المالى، على بعض الشركات التى منحتها تمويلات وقروضاً وتسهيلات ائتمانية، متذرعة بمبادرة البنك المركزى بتخفيض سعر الفائدة على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بفائدة منخفضة 5% و7% متناقصة، بينما تتراوح معدلات الفائدة السوقية بين 18% و20%، وأن البنك المركزى فرض عقوبات على البنوك التى لم تلتزم، تلزمها بإيداع مبالغ مالية لديه بدون فائدة لآجال زمنية مختلفة، وهو يعنى إكراه البنوك، بلا سند، على إعطاء تمويلات بأسعار فائدة تقل عن ثلث السعر السائد بالسوق، ومن ثم إلحاق خسائر بالبنوك، وهى كيانات مستقلة تدير محافظ مالية، لحساب المساهمين والمودعين، ولا يجوز إجبارها على تحقيق خسائر، وتسأل مجالس إداراتها جنائياً كما جرى فى بعض المحاكمات إذا ما حققت خسارة!

وظنى أن هذه الخطوة تحمل آثاراً بالغة الضرر، لا بالبنوك فقط ككيانات مستقلة تدير محافظها المالية فى إطار قواعد عامة محددة لا يُختلف عليها وتلزم البنك المركزى مع التسليم بسلطاته، ولكن السلطة شىء، وممارستها شىء آخر قد يخرج عن حدود تلك السلطة، وينطوى على تعسف فى استخدامها لا يجوز!

ومن المؤكد أن التدخل فى الاستثمار على هذا النحو، يهدد الاستثمار بعامة، ويهرب رءوس الأموال الأجنبية والمحلية الراغبة أو التى شرعت فعلاً فى الاستثمار بمصر. القواعد المستقرة هى من أوليات مناخ الاستثمار، والخروج عليها بهذا الشكل الصارخ يهز الاستقرار هزاً عنيفاً، ويهرب برءوس الأموال من الاستثمار فى مصر.

بل إن الضرر يمكن أن يلحق بذات المشروعات الصغيرة أو المتوسطة، حين تشتد البنوك وهذا حقها فى طلب الضمانات لإعطاء القروض والتسهيلات إليها، وهى ضمانات فى ظنى أن البنك المركزى لا يستطيع إلزام البنوك بالترخص فيها، بل إن البنك المركزى يحاسب البنوك، وكذلك النيابة العامة إذا ما ترخصت فى الضمانات، ولم تستوف الضمانات الكافية، ويتخذها القانون الجنائى قرينة أو دليلاً على تسهيل الاستيلاء على أموال البنك، وهى أموال عامة إذا ما ساهمت فيها هيئات عامة، وفى حكم الأموال العامة إذا اقتصر المساهمون على الآحاد والقطاع الخاص، ومن ثم فإن للتفريط فى الضمانات تداعيات خطيرة وغير حكيمة وغير مقبولة.

زيادة الطين بلّة

يزيد الطين بلّة، أن تضطر البنوك تخلصاً من عقوبات البنك المركزى غير العادلة ولا منطقية إلى تحميل غيرها بما فرضه عليها البنك المركزى من الانخفاض بسعر الفائدة انخفاضاً كبيراً وخارج قواعد السوق للمشروعات الصغيرة والمتوسطة!

فقد نقلت الأخبار أن أحد البنوك خاطب من أيام إحدى الشركات المتعاملة معه، لإعادة جدولة القرض الممنوح لها تذرعاً بما فرضه البنك المركزى على البنوك فى إطار تلك المبادرة، طالباً من الشركة أو فارضاً عليها إخراج التمويلات الممنوحة لها من نطاق مبادرة البنك المركزى، بتعلة وما أكثر التعلات التى سوف تبرز بتعلّة وجود مساهمين فى تلك الشركة من ذوى الملاءة المالية المرتفعة، ومنهم صندوق بداية لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التابع للهيئة العامة للاستثمار.

وتذرع البنك وسيتذرع غيره بأن بنود الاتفاقية بين البنك والشركة تتيح للبنك تعديل بنود القرض فى أى مرحلة، وهو ما يخالف المبادئ العامة للعقود، ويخالف المقتضيات اللازمة لتأمين الاستثمار، ويعرضه لتداعيات بالغة الضرر لا بالشركات وحدها، ولا بالبنوك وحدها، وإنما بمجمل الاقتصاد الوطنى.

قرأت فيما تناقلته المصادر والأخبار، أنه يترتب على ما يريد البنك فرضه على الشركة، ارتفاع العبء المالى على الشركة فى السداد من ثلاثة ملايين جنيه شهرياً، إلى تسعة ملايين جنيه شهرياً، أى إلى ثلاثة أضعاف القيمة المتفق عليها تعاقدياً بيـن البنك والشركة!!

ولا شك أن الخروج على الاتفاقات التعاقدية، أمر لا يجوز إطلاقاً أن يكون من حق أو من سلطة أحد طرفيها، إلاَّ فى حالة الظروف الطارئة، وهى فضلاً عن الشروط العسيرة الواجب توافرها للجوء لهذه النظرية، فإن الفصل فيها منوط بالأحكام القضائية لا بمطلق إرادة أحد طرفى العقد.

ولكن البنك يتذرع بأنه مجبر بحكم ما فرضه البنك المركزى عليه، وأن البنك المركزى قد حذر القطاع المصرفى فى تعليمات أصدرها أواخر عام 2017 من منح قروض «المبادرة» لشركات لديها أطراف مرتبطة فى هيكل ملكيتها من ذوى الملاءة المالية المرتفعة.

صرف العفريت.. كيف؟!

على من استحضر العفريت أن يصرفه، فما قرره البنك المركزى وفرضه على القطاع المصرفى، ستتعدد وسائله أو حيله للتخلص من مفارقته للعدل بما فرضه على البنوك بلا سند، أو للحصول على قروض مخفضة الفائدة بغير حق.

ولا يستطيع الشيطان نفسه أن يحصر الوسائل التى يمكن اللجوء إليها للإفلات من وضع تحكمى يفتقد المنطق والسند والعدالة جميعاً، سواء من ناحية البنوك، أو من ناحية المشروعات الصغيرة أو المتوسطة، ولست أريد أن أعددها حتى لا يكون ذلك إرشاداً لارتكابها ومرتكبيها.

هذه المحاذير ناجمة دياليكتياً عن القاعدة الجبرية التى فرضها البنك المركزى لسعر الفائدة المخفضة جداً على قروض وتمويلات المشروعات الصغيرة والمتوسطة، خلافاً لأسعار السوق، وإضراراً بالبنوك لو التزمت بها، اللهم إلاَّ أن ترحلها على سواها!!!

على من استحضر هذا العفريت أن يصرفه!

وليس فى هذا مصادرة على تشجيع المشروعات الصغيرة أو المتوسطة، فوسائل دعمها عديدة، يمكن أن تختطها أجهزة الدولة وتلتزم هى فى إطار دراسة مسبقة مستفيضة لكل مشروع، لتحديد نوعيته وحجمه، ونوعية المساهمين فيه، ومن ثم دعمه، وقيمة أو نسبة هذا الدعم، أو بعدم دعمه، حسبما تسفر عنه دراسة كل مشروع، دون إلقاء هذا العبء بغير حق على البنوك، وهى بدورها مشروعات اقتصادية جديرة هى الأخرى بالحماية.

قيل إن الشركة المتضررة لجأت هى وصندوق بداية إلى الهيئة العامة للاستثمار للتدخل لحل هذه الأزمة المستحكمة.

وظنى أن الهيئة العامة للاستثمار، ليس بمستطاعها حل هذه الأزمة دون إشراك البنك المركزى لحمل مسئوليته معها لفض هذه المنازعة، وإعادة السواء والقواعد العامة والأمان إلى سوق الاستثمار، وإلى القطاع المصرفى على السواء.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل