سمير عمر سمير عمر تجليات فى رحاب الحرم
10:04 م | الإثنين 10 يونيو 2019

1: قصدت مكة فى لباس الإحرام قبيل صلاة الفجر بقليل فبلغتها بعد عنت قرب الثامنة صباحاً فوليت وجهى شطر بيت الله الحرام معتمراً.

فى الطواف كانت دوائر الطائفين تضيق وتتسع فتركت نفسى لحركة عفوية راغباً عن المزاحمة طامعاً فى ملامسة أستار الكعبة، فبلغتها غير متعب وتعلقت بها داعياً الله أن يفرج كرب المكروبين ويرفع الظلم عن المظلومين

2: فى الطواف كانت نفسى صافية للدعاء، فنحيت كل الأفكار إلى أقصى موضع فى رأسى، فإذا بالأسماء والشخصيات تمر أمامى كشريط متصل منهم من أحسن إلىّ، ومنهم من أساء، منهم من أسدى إلىّ معروفاً، ومنهم من ترك فى نفسى جرحاً غائراً، فدعوت لهم جميعاً ودعوت لنفسى ولعائلتى ولكل من حمَّلنى أمانة الدعاء.

3: فى السعى بين الصفا والمروة بدأت الأفكار تتزاحم فى رأسى فسألت الله أن يوقفها حتى أفرغ من إتمام عمرتى التى حمدته كثيراً على أن هدانى إليها فاستجاب العفُوّ الكريم لدعائى وصَفَت لى الأشواط السبعة حتى أتممت عمرتى بفضل الله.

4: كان قص بعض شعرى إيذاناً بالتحلل من الإحرام تصريحاً بعودة عقلى إلى التفكير فيما سألت الله أن يصرفنى عنه حتى أنتهى من أداء العمرة.

وجاءتنى أمنا هاجر، زوج أبينا إبراهيم وأم إسماعيل، بوجه مصرى مشرق وكأنها تُقرئنى السلام لأهل مصر وتدعو لهم بالسلامة من كل شر.

هى المصرية أم العرب جميعاً، ويحضرنى حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إذا ملكتم القبط فأحسنوا إليهم فإن لهم ذمة وإن لهم رحماً، (يعنى أم إسماعيل أنها كانت منهم)» -طبقات بن سعد.

5: يأخذنى حديث القبط وأمنا هاجر إلى سنوات عشرين أو أقل قبل بعثة النبى (صلى الله عليه وسلم) حيث فكرت قريش فى إعادة بناء بيت الله الحرام، لكنهم يهابون القرار ويخشون الإقدام عليه، فللبيت حرمة، وما تزال ذكرى ما حدث لجيش أبرهة ماثلة فى أذهان الجميع، وبعد أخذ ورد ونقاش مطول وإشارات سماوية، تطمئن قلوب سادات قريش -وفى القلب منهم بنو هاشم- لقرار إعادة البناء، فيشرعون فى ذلك لكن لمن أوكلت تلك المهمة المقدسة؟ لقد أوكلت لمهندس بناء قبطى من أرض مصر العامرة يدعى «باخوم» كان قد استقر فى مكة انتظاراً للرسالة المحمدية التى بشرت بها كتبهم، فيعمد «باخوم» إلى إعادة البناء حتى يتمه على خير وجه ويرفع البيت على قواعد إبراهيم الخليل، ويختلف سادات قريش على من يحظى بشرف وضع الحجر الأسود فى موضعه وتتصاعد الخلافات حتى تكاد أن تصل إلى حد الحرب بينهم، حتى يتفقوا على أن يحكموا بينهم أول داخل عليهم فيكون الأمين محمد بن عبدالله، الذى يحكم بما يطفئ نار الخلاف بينهم (على هامش السيرة- الدكتور طه حسين). لا أحد من المصريين يذكر أن لأحد أجدادهم القبط دوراً فى إعادة بناء بيت الله الحرام.

6: أجول ببصرى فى ساحة الحرم التى لا تخلو من طواف الطائفين وصلوات المصلين فيقفز إلى ذاكرتى أيام خلت فيها ساحات الحرم من الطائفين، بل وتحولت أروقته ومناراته إلى ساحات قتال -لا أعادها الله تلك الأيام- فجر العشرين من نوفمبر 1979 حيث يتقدم الداعية السلفى الأربعينى جهيمان العتيبى ومعه نحو مئتين من أتباعه من بينهم شاب يدعى محمد عبدالله القحطانى (سيعلنون أنه المهدى المنتظر بعد قليل)، هرَّبوا الأسلحة والذخائر فى نعوش وأدخلوها ساحة الحرم وبعد دقائق أزاحوا إمام الحرم من موقعه أمام مكبرات الصوت وأخذوا يقرأون على الجميع بياناً قالوا فيه إن المهدى المنتظر قد ظهر وها هو بين ظهرانيهم ينتظر البيعة، لتبدأ وقائع واحدة من أخطر ما تعرض له بيت الله الحرام على مدار التاريخ. صحيح أن الله مكن رجال الأمن والجيش فى السعودية من القضاء على التمرد، وصحيح أن ما كانوا يدعون أنه المهدى قد قتل فى الاشتباكات بين الجانبين، وصحيح أيضاً أن جهيمان استسلم بعد نحو أسبوعين، ونُفذ فيه حكم الإعدام هو ومن أُلقى القبض عليه من أعوانه بعد ذلك، لكن تلك الواقعة تركت آثاراً سلبية عميقة فى نفوس ملايين المسلمين وفتحت أبواباً واسعة للعنف والإرهاب الذى نحاول مواجهته بشتى السبل حتى الآن.

تردنى تلك الخواطر إلى نفسى فأجدنى أذرف دمعاً، سائلاً الله أن يهدى من يظنون أنهم يحسنون صنعاً وأن يلهمنا القدرة على مواجهة التطرف والإرهاب كى يكون العالم أكثر عدلاً وتسامحاً وسلاماً ومحبة.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل