صفحات «الراحلين» على «فيس بوك» تتحول إلى «نصب تذكاري» ورسائل تنتظر الرد
تحولت صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بمن رحلوا إلى ما يشبه "النصب التذكاري"، لا يمكن لأحد أن يغيّره إلا إذا حصل على "الباسورد" الخاص بصاحب البروفايل، وغالبا ما يكون من المقربين له، فيحافظ عليه ويتشبث ببقائه لأنه ذكرى تهوّن عليه ألم الفراق.
عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعقب كل رحيل يودعون رفقائهم بالحزن تارة وبالسخط على من تسببوا في رحيلهم تارة أخرى، يقولون "حزنا" إن الموت يختار الأفضل من بيننا، رفقاء الميدان ينعون شهداءهم وقتلاهم ومن لقوا مصرعهم، كل بطريقته.
ورغم ازدحام صفحات موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، بصور الشهداء، تبقى صفحات هؤلاء الراحلين مكانا لتجمع محبيهم، يكتبون لهم من حين لآخر في كل مناسبة، يمرون على صفحاتهم، كما تمر على الأطلال؛ لتقول ما تشاء في الوداع وفي كل مرة تنتظر الإجابة، لكن لا أحد يجيب.
"أمتى هتقبل طلب صداقتي".. رسالة من ماري دانيال لشقيقها مينا على حسابه الشخصي عبر موقع "فيس بوك"، لم تحصل على رد لما يقرب من عامين ونصف، منذ أن استشهد الشاب الثائر في أحداث ماسبيرو، في أكتوبر 2011، وكررت الرسالة لنحو 3 مرات وفي كل مرة تنتظر أن يجيبها أو يقبل طلبها، لكنه لا يفعل، تاركا خلفه تدويناته وصوره التي تذكر بمواقفه المنحازة للفقراء وحلمه في أن يسود العدل.
تحكي "ماري" عن صفحة "مينا" على "فيس بوك" فتقول إنها كانت صديقة لـ"مينا" على فيس بوك من خلال حساب قديم، لكنها فقدت كلمة السر الخاصة به "الباسورد"، وقامت بإنشاء آخر جديد، وقبل أن تصبح صديقة له وقعت أحداث ماسبيرو واستشهد "مينا" قبل أن يقبل طلب الصداقة.
وبرغم كل ما يمثله "مينا" لـ"ماري" التي كانت تعتبره ابنها وليس شقيقها، وكانت ترى فيه من المصرية والوطنية ما يجعلها تتراجع عن فكرة الهجرة إلى خارج مصر؛ بسبب سوء الأحوال والإحباط، إلا أن صفحته على فيس بوك ظلت حلقة الوصل ووسيلة المناجاة، ترسل له وتخبره بهمومها وآلامها، وتحكي له عما يحدث لها سواء على المستوى السياسي أو الشخصي، وتطمئن عليه وتلقي بأثقالها على صندوق البريد الخاص به، وتقول: "في كل مرة ببقى حاسة إنه بيسمعني وبيكون عندي أمل أنه يرد عليّ".
أضافت "ماري" أن مينا كان منحازا للفقراء وكان يحلم باليوم الذي تتحقق العدالة، وقام بتدشين صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" باسم "إحنا الفقراء عاوزين حقوقنا"، وتوقفت في 16 يونيو 2011، وكان آخر ما كتب عليها "لن نتنازل عن مجلس رئاسي مدني ولا للتفاوض"، وترجع ميري توقف الصفحة لأن "مينا"، كان هو الأدمن الوحيد لها، ولم يتمكن أحد من تنشيطها عقب استشهاده.
"الحسيني أبوضيف" الذي استشهد في أحداث الاتحادية الشهيرة، في ديسمبر 2012، عندما كان ذاهبا بكاميرته يبحث عن الحقيقة، فهو شهيد الصحافة والثورة، وكان يحلم بمستقبل أفضل لزملائه في المهنة ولأبناء وطنه، لكن رصاصات الغدر لم تتركه يحلم، وقتلته بعدما تلقى رصاصة في الرأس.
آخر ما نشره على حسابه عبر "فيس بوك"، في 5 ديسمبر 2012، كانت صورة لمتظاهرين ينصبون الخيام أمام قصر الاتحادية تمهيدا للدخول في اعتصام لتنفيذ مطالبهم - حسبما قال- ولم يتمكن "الحسيني" بعدها من نشر أي شيئ آخر حيث فارق الحياة، لكن ظلت صفحته أيضا لأكثر من عام بريدا لرسائل الأصدقاء، ويعيدون نشر صوره مرة أخرى، وكلماته التي لازالت محفورة في ذاكرة المقربين منه.
أحد الأصدقاء يسأله عبر صفحته: "ياحسيني الله يرحمك ممكن أسالك.. راضٍ علينا وعلى حال البلد؟ أنا واثق إنك مش راضٍ.. حاسس إنك أخدت حقك؟ إن شاء الله أنت في مكان أحسن بكتير من اللي إحنا فيه أنت في الجنة يا شهيد بإذن الله"، صديق آخر كتب له: "وحشتني يا صديقي وحشتني ضحكتك النقية.. في جنة الخلد يا شهيدنا الحي".
وكتب محمود بدر، أحد مؤسسي حملة "تمرد" لـ"الحسيني" في ديسمبر من العام الماضي: "يا قبر الحسيني أبوضيف.. يادي الضريح.. كان ميتك للأسف وطني صريح.. غشيم في حب الوطن.. طبعا غشيم.. ياللي تحب الوطن من الصميم.. صباح الفل يا صاحبي.. الخال بيصبح عليك!".
"محمد رمضان" الذي رحل في حادث سانت كاترين، تدفقت التعليقات على صفحته الشخصية تدعو له بالرحمة والمغفرة، كتب صديق له: "محمد اللي كان مصدر تفاؤل وقلبه كله طاقة ودفء، مات متجمد! طب والنبي إزاي دي؟"، وآخرى حزينة عليه: "يا محمد يا صديقي، ما هذا الزمن السيء، أنا حزينة ولا أعرف أي كلام أقول.. يا نسمة الفجر أنت يا رقيق، رحمة الله عليك يا غالٍ".
وتظل صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ذكرى لمن رحلوا، يزورها أصدقاءهم وأقاربهم كما يزورون قبورهم، يتذكرونهم ويتركون لهم رسائل الحزن والحب والوداع، ويشتكون لهم أحيانا من الدنيا، ويحكون لهم عن الأحداث، يفرحون كلما تحقق حلم لهم، فيخبرونهم بما حدث، وربما تحمل آلاف الرسائل الخاصة، ولن يعلم بها سوى من كتبها، فهو وحده الآن القادر على قراءتها".