حسن أبوطالب حسن أبوطالب أهل الصحافة أدرى بشعابها.. ولكن!
10:07 م | الثلاثاء 16 يوليو 2019

تابعت بعض ردود الفعل بشأن تصريح خاص حول ما الذى يمكن أن يحدث إذا احتجبت إحدى المطبوعات الصحفية الشهيرة والمملوكة قانوناً للدولة. بعض التعليقات انطوت على كم هائل من المشاعر الغاضبة بشأن احتمال الاختفاء أو التوارى الورقى، وإصرار على استمرار المطبوعة الشهيرة باعتبارها مركز تنوير للعقل يشهد له التاريخ، والبعض الآخر انطوى على مناشدات للدولة بأن تعمل على حماية تلك المطبوعات ذات البعد التاريخى، باعتبارها إحدى أدوات قوتها الناعمة. والاتجاهان موجودان فى مصر بشأن صناعة الصحافة، وموجودان أيضاً فى دول عربية عديدة تعانى صحافتها الورقية معاناة شديدة أدت إلى تقليص أعداد الطبع الورقى، أو الاحتجاب يوماً أو يومين فى الأسبوع (معظم الجرائد الكويتية)، أو التحول إلى موقع إلكترونى فقط، أو إعلان التوقف لأسباب اقتصادية بحتة (السفير والنهار فى لبنان والحياة السعودية فى لندن)، وأهمها تراجع الإعلانات، وقلة الدعم المادى الحكومى. وبعض التعليقات بشرت بأن هناك هيئات إعلامية وصحفية جديدة قريباً بعد طول انتظار، وسيكون لها أهلها الذين اختيروا بعناية ليقوموا بمهمة إنقاذ الصحافة.

فى كل الدول العربية وكذلك فى دول كبرى كالولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وروسيا وغيرها كثير، يتكرر الحديث عن أزمة الصحافة الورقية، والأسباب تكاد تكون واحدة، كانخفاض الإعلانات وعزوف القارئين الجدد عن شراء الجرائد المطبوعة، وانخفاض التوزيع بنسب كبيرة للغاية، ويقابله حديث التطوير والدمج بين الإلكترونى والورقى. وهناك دراسات مشهودة من جهات بحثية دولية رصينة تنذر بأن لا يكون للصحافة الورقية سوى مكان محدود جداً بعد عقد على الأكثر، وبعدها قد تختفى النسخ المطبوعة كلياً، ويُستعاض عنها بنسخ إلكترونية تقبل عليها الأجيال الجديدة بكثافة.

ما سبق يجعلنا ندعو إلى التفكير فى حالة الصحافة الورقية المصرية بقليل من العواطف وكثير من التحليل العلمى المستند إلى افتراضات ومشاهد متعددة، علينا أن نختار أفضلها بعد أن نوفر له الشروط الرئيسية. وما يُقال عن مستقبل قريب مشمول بانقضاء الأجل لجريدة أو مطبوعة سواء قومية أو خاصة أو حزبية لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره قضاء لا فكاك منه. السؤال الأهم هنا يتعلق أساساً برؤية الدولة من مؤسساتها الصحفية القومية، التى يشغل العاملون فيها ما يقرب من 85 فى المائة من إجمالى العاملين فى الصحافة المصرية ككل، والمسألة ليست مجرد البحث عن أشخاص جيدين ولديهم خبرة طيبة إدارياً وصحفياً، ومشهود لهم بالمواقف الوطنية، بل يتعلق أساساً بالهدف والدور الذى تحدده الدولة المصرية، ومن ثم بالشخص الذى يناسب هذا الهدف وهذا الدور، ويرتبط بهذا البُعد أمر آخر وهو المدى الذى توفره الدولة لإنجاح كل من الهدف والدور والشخص الذى سيتم اختياره.

افتراضنا الأساسى هو أن موقف الدولة لدعم ومساندة المؤسسات الصحفية القومية ليس محل شك، ولكن العاملين فى المؤسسات القومية لم تصل إليهم بعد الخطة التى تعكس هذا الافتراض، لا تفصيلاً ولا إجمالاً، ومن ثم تحدث حالة عدم يقين مصحوبة بتراجع الموارد المالية، وتكثر الشائعات والمعلومات المضللة، ما يؤثر على مجمل الأداء تحريرياً وإدارياً واقتصادياً. جزء كبير مما يتم تداوله فى العديد من المؤسسات القومية عبارة عن معلومات غير محددة تتعلق بمشروعات مقترحة لدمج ثلاث أو أربع مؤسسات مع بعضها البعض بدون أدنى إشارة إلى معايير هذا الدمج والهدف منه والعائد الذى يمكن أن يتحقق من ورائه، إن وجد أصلاً، وكيف سيكون مصير أصول تلك المؤسسات وكيف سيتم تسوية ديونها مجتمعة، التى ستصبح بأرقام هائلة منسوبة إلى مؤسسة واحدة مدمجة، الأمر ذاته يحدث بشأن ما يشاع عن المعاش المبكر لخفض أعداد العاملين فى الصحف، ما يثير قلق الكثيرين، وقس على ذلك ما يتعلق بمن سيأتى ومن سيذهب، وهى حالة ليست فى صالح أحد، إذ بدلاً من التقدم نحو الحلول الكبرى، يحدث التراجع والانتظار والترقب، بل والدخول فى صراعات وهمية بكل معنى الكلمة.

المؤسسات نفسها وكذلك الهيئة الوطنية للصحافة لم يصدر عنها رؤية شاملة لإنقاذ الصحف والمجلات الصادرة عن هذه المؤسسات، فى بعض المؤسسات يحدث أن يُطلب من بعض مسئوليها وضع ورقة عمل لتحسين الأوضاع كل فى إدارته، ثم لا يؤخذ بأى توصية منها، ولا تُناقش أى فكرة. تكرار الموقف أدى عملياً إلى عزوف المسئولين عن البحث فى أى جديد. بالنسبة للهيئة الوطنية غالباً توجد أفكار عامة تفسر الأزمة وأخرى حول المستقبل، بيد أن تلك الرؤية لم تُناقش مع عموم الصحفيين من خلال ورش عمل ومناقشات مفتوحة لدراسة الجيد منها وما هو غير عملى، إبعاد أهل المهنة عن مناقشة مستقبل مهنتهم يجعل الكثيرين منهم فى حالة لا مبالاة يظللهم شعار فليكن ما يكون، وهو ما لا يرجى منه أى خير.

الأفكار العامة البعيدة عن الدراسات التفصيلية لا تثمر خططاً حقيقية، المطلوب هو رؤية شاملة تعالج الأزمة يشارك فى وضعها أهل المهنة أنفسهم، لعل مؤتمراً عاماً تشارك فيه المؤسسات الصحفية القومية والهيئة الوطنية ونقابة الصحفيين، تقدم فيه دراسات معمقة، وينتهى إلى خطة شاملة تجمع بين تطوير المنتج الصحفى وتطوير الإدارة، وتناقش أفكاراً جريئة يمكن أن تكون المخرج الحقيقى لأزمة تتطلب خطوات غير معتادة، لعل أهم القضايا التى يجب بحثها إعادة النظر فى ملكية الدولة للمؤسسات الصحفية وفتح الباب أمام شراكة بين العاملين فى تلك المؤسسات وبين الدولة، ولتكن البداية فى حدود 15 إلى 20 فى المائة مع ضوابط تحول تسرب صكوك الملكية إلى غير المنتسبين إلى تلك المؤسسات، ما يؤدى إلى تغيير نمط الملكية والإدارة وتحمل العاملين مسئولية الحفاظ على مؤسساتهم وتطويرها وحمايتها من أى فساد، وتغيير نمط الجمعية العمومية بما يسمح بمحاسبة مجلس الإدارة ومجلس التحرير بأعلى قدر من الشفافية، إضافة إلى استراتيجية رشيدة لاستثمار أصول المؤسسات من خلال شراكات بين الإدارات المتماثلة كالنقل والتوزيع والطباعة والإعلانات، وإنشاء إدارة موحدة تخدم المؤسسات جميعها وتعود عائداتها إلى كل مؤسسة وفقاً لنسبة مشاركتها، وبذلك يتم الحفاظ على طبيعة كل مؤسسة تحريرياً، مع تعزيز العوائد التى تنتجها الإدارات الإنتاجية المشتركة.

لقد فات زمن الأفكار المُعلبة والاعتماد المطلق على الدولة. الآن مطلوب أفكار جريئة بكل معنى الكلمة، أو انتظار قدر غير مرغوب.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل