بعد انتهاء أحد فصول مسرحية اللا معقول- الاستفتاء- والتي نعيش فصولها منذ ثلاث سنوات طفت ظاهرة غريبة كنت أحسبها اختفت منذ بداية نشأة الدولة المصرية الحديثة، والتي تجلت في تخلف نخبة هذ المجتمع وعدم قدرتها على إيجاد بديل حقيقي يقود هذا البلد إلى المستقبل، بل تستقوي بالشعب كمجموع جماهيري لتبرير عجزها، والاحتماء به تحت دعاوى الحفاظ على الدولة، هذا المشهد العبثي استدعى من ذاكرتي مشهدا تاريخيا لا يقل عبثيه عما نحن فيه منذ عزل الرئيس محمد مرسي.
فها هو عمر مكرم والشيخ الشرقاوي يذهبون إلى الوالي خورشيد باشا، بمطالب محددة، فيرفضها الوالي جملة وتفصيلا، فيتم تثوير العامة والحرافيش ضد الوالي.. وتتوالى الأحداث ما بين عناد الوالي وانتشاء النخبة بزعامة وهمية.
وفي لحظة انكشاف، ما هو البديل.. يذهب أهل النخبة إلى قائد عساكر الوالي في مصر، وهو محمد علي.
وأحضروا له كركا وعليه قفطان.. ووقفوا ضد السلطان العثماني في الأستانه حتى عيّنه واليًا على مصر استجابة لرغبة الشعب.
ومع تشابه الحوادث ما بين تولية محمد علي والرغبه الجامحة في تولية الجنرال السيسي، يبقى السؤال الأهم: هل يتعامل السيسي مع النخبة كما تعامل الوالي محمد علي.. قتلاً؟
في ظني أن استدعاء مشهد الدماء قديما أصبح غير مقبول الآن، ولكن مهمة إصلاح النخبة أصبحت محل شك كبير لما أصابها من وهن، لذلك أرى أن المشير السيسي ليس أمامه إلا الاستقواء بالعامة والحرافيش- الشعب- من أجل إحداث تحول نوعي في مسيرة هذا البلد في المدى القصير، على أمل إنتاج خطاب ثقافي جديد ناتج عن إصلاح حقيقي لبنية المجتمع قادر على إفراز نخبة جديدة تكون قادرة على استيعاب إمكانات الحاضر وضرورات المستقبل، معبرة عن الشعب قائدة له وليست محتمية فيه ذعرًا.
إن الآمال المعقودة عليك سيادة المشير من العامة وإن كانت تعبّر عن مطالب مشروعة فإنها تعبّر أكثر عن محنة شعب عانى ويعاني مشاكل لا حصر لها، شعب في أزمة حقيقية.
لذلك فإن التفكير في الإقدام على تحمل المسؤولية كاملة يجب أن يكون مدروسًا، لا تنظر إلى نخبة لا تريدك حاكما ولكن لا مفر أمامها إلا ذلك خوفا على مصالحها، ولا يغرنّك هدير حناجر العامة والحرافيش التي تريد حاكما يخلصها مما هي فيه.
سيادة المشير، تذكّر جيدا أن استرجاع حوادث التاريخ للحكم على المستقبل فيه مخاطرة غير محسوبة.
كذلك محاوله إنتاج زمن مضى- مع عدم الأخذ في الاعتبار اختلاف الظروف- هو انكسار ونهاية محتومة لحلم سلطة قد يتبدد سريعا.
وتذكر دائما أن الحرافيش إن لم تتحسن ظروفهم معك.. فلا يغرنك هيئتهم الرثة وثيابهم البالية فتحتها قد تجد نارا تحرق.. كل نياشين الجنرال.
(الآراء المنشورة كتبها القراء ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع وجريدة "الوطن"، وإنما تعبر عن أراء أصحابها)