د. محمود خليل د. محمود خليل «الأداهم المسندة» و«أداهم المال»
11:28 م | الإثنين 05 أغسطس 2019

كما انقسم المصريون بعد ثورة عرابى إلى «أداهمة محبطين» و«أداهمة لاعنين للهوجة» انقسموا بعد ثورة 19 إلى فريقين: «فريق سعد» و«فريق عدلى». كلا الكبيرين (سعد وعدلى) كان أدهمياً بطريقة ما. فسعد كان قائد «الأداهم الدهماء»، أما عدلى فقائد «الأداهم الكبار». الفريق الأول كان أغلبه من الشعب والثانى كانت غالبيته من الأعيان وأصحاب المال. ذات مرة علق عدلى باشا يكن على أداء سعد باشا قائلاً: «سعد باشا يقول كلاماً بديعاً، لكنه مع الأسف يخاطب جماعات كأعمدة السكك الحديدية». «عدلى» كان يرى أن «سعد» ليس أكثر من «أدهم شعبوى» يعرف الأوتار التى تطرب الأداهم من العوام والغوغاء ويعزف عليها ويمطر آذانهم بالشعارات، لكنه فى المقابل أعجز ما يكون عن التأثير فى الواقع، لأن الجموع الهادرة التى تهتف باسمه وهو يخطب عاجزة كل العجز عن فعل شىء، أو تشبه الخشب المسندة. الجماهير تقف عند حد الطرب وتكتفى، تماماً مثلما كان يطرب الأجداد لأنغام الناى والربابة على مقاهى القاهرة.

فى المقابل كان «سعد» يرى أن ثمة شبكة مصالح تربط بين رجال الأحرار الدستوريين والاحتلال تجعلهم أكثر مهادنة له، وأنهم لا يشكلون -كما يزعمون- مصنعاً لإنتاج الرؤى الواقعية. ولعلك تعلم أن حزب الأحرار الدستوريين قام على أنقاض حزب الأمة القديم الذى أسسه محمود باشا سليمان وترأس تحرير جريدته «الجريدة» أبو الليبرالية المصرية أحمد لطفى السيد. كان «عدلى» ورفاقه من الأحرار الدستوريين يرفعون نفس الشعار الذى رفعه حزب الأمة، شعار: «أصحاب المصالح الحقيقية فى البلاد». فقد شكل كلا الحزبين حاضنة لكبار التجار والأعيان ومُلاك الأرض فى مصر. وهذه الفئات -شأنها شأن الأداهم الموظفين- كانت ترى أن أى اضطراب أو هز للمعادلة التى تحكم علاقة مصر بإنجلترا يضر بمصالحهم المالية والتجارية. فقد أقامت دولة الاحتلال علاقتها بمصر على أساس أن تكون الأخيرة ساحة لزراعة القطن وتكون الأولى مصنعاً له. وهى معادلة حققت أرباحاً خيالية لكبار الماليين من الأداهم المصريين.

تعوَّد أدهم على التعامل الأكثر نعومة وليونة مع مَن يملك له مصالح أو منافع، وذلك كان موقف «الأداهم الدستوريين»، فى حين أن غياب المصالح والمنافع لدى طرف يجعله يطالب بما يريد دون حسابات، وذلك كان حال «الأداهم الوفديين». التجربة التاريخية بعد ثورة 1919 تقول إن كلا الفصيلين من «الأداهم» لم يفلح فى تحقيق ما كان يهدف إليه، فلا فريق سعد أفلح فى تحقيق هدفه فى استقلال مصر عن إنجلترا، وحتى الاستقلال الشكلى الذى تحقق لمصر فى تصريح فبراير 1922 جاء على يد حكومة عبدالخالق باشا ثروت، وكذلك فشل فريق عدلى فى تكريس الحكم النيابى فى البلاد، حين قرر إسماعيل باشا صدقى -وهو واحد من أقطاب الأحرار الدستوريين- إلغاء دستور 1923 وأحل محله دستور 1930. هكذا تراوح المصريون بعد ثورة 1919 بين «سعد وعدلى»، لكن أياً منهما لم يفلح فى أن يجعل منهم «أداهم أحراراً ولا دستوريين».

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل