أحمد عبد الظاهر أحمد عبد الظاهر التجديد القانونى للخطاب الدينى.. دية المرأة
10:02 م | الأحد 08 سبتمبر 2019

فى الرابع من أغسطس 2019م، وفى دولة الإمارات العربية المتحدة، صدر المرسوم بقانون اتحادى رقم (1) لسنة 2019 بتحديد دية المتوفى خطأ. وطبقاً للمادة الأولى، الفقرة الأولى من هذا المرسوم بقانون: «تحدد دية المتوفى خطأ ذكراً أو أنثى بمبلغ (200.000) مائتى ألف درهم». وهكذا، ساوى المشرع الإماراتى بين المرأة والرجل فى الدية. وغنى عن البيان أن الدية فى الشرع الجنائى الإسلامى تتقرر فى حالات القتل الخطأ.

وحتى نتبين أهمية هذا المرسوم بقانون، يتعين الإشارة إلى الفتوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية تحت رقم مسلسل (3252) بتاريخ 28 أغسطس 2008م، والتى تنص صراحة على أن مقدار الدية هو خمسة وثلاثين كيلوجراماً وسبعمائة جرام من الفضة الخام، وأن دية الأنثى على النصف من دية الذَّكَر، أى سبعة عشر كيلوجراماً وثمانمائة وخمسون جراماً من الفضة أو قيمتها. ولم تتضمن هذه الفتوى بيان الأسانيد الشرعية لتنصيف دية المرأة، ويبدو أنها تستند فى ذلك إلى ما رواه معاذ بن جبل عن النبى (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (دية المرأة نصف دية الرجل). كذلك، حفلت كتب الفقه الإسلامى بتأكيد الإجماع على ذلك، حيث جاء فى شرح الخرشى على متن خليل (الجزء الثامن، ص 30): (ودية المرأة على النصف من الذكر). وجاء فى تحفة الحكام لابن عاصم شرح التاودى سوده (الجزء الثانى، ص 375): (وفى النساء ممن ذكر مسلمات أو كتابيات أو مجوسيات الحكم بتنصيف الدية الواجبة فى ذكورهن، لأن الله تبارك وتعالى جعل اثنين منهن فى واحد، فقال تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان)، وأعطاهما ما للواحد، فقال عز من قائل: (للذكر مثل حظ الأنثيين). وذكر أئمة الشافعية الإجماع على ذلك، كما جاء فى كتاب «الأم» للشافعى، حيث قال: (لم نعلم مخالفاً من أهل العلم قديماً ولا حديثاً فى أن دية المرأة نصف دية الرجل). وجاء الإجماع على ذلك أيضاً فى كتب الحنفية، حيث قال الكاسانى فى بدائع الصنائع (الجزء العاشر، ص 466): (وإن كان القتيل أنثى فدية المرأة على نصف دية الرجل بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك). ومثل ذلك جاء فى كتب الحنابلة، ففى المغنى لابن قدامة (الجزء التاسع، ص 531): (ودية الحرة المسلمة نصف دية الحر المسلم)، إلى أن قال: (أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل).

والواقع أن القرآن، باعتباره المصدر الأول لتشريع الأحكام، لا يمايز بين الرجل والمرأة فى الدية. ويتسق ذلك مع أحكام الشرع الإسلامى فى جرائم القصاص، والتى لا تعرف التمييز بين الرجل والمرأة فى العقوبة، يستوى فى ذلك أن يكون الجانى رجلاً أو امرأة، ويستوى فى ذلك أيضاً أن يكون المجنى عليه رجلاً أو امرأة، فالذى يقتل امرأة عمداً، يُقتل بها قصاصاً، سواء كان قاتلها رجلاً أو امرأة. ويسرى ذات الحكم، ولو كان قاتلها هو زوجها. وقد فعل ذلك سيدنا عمر (رضى الله عنه)، حيث قتل رجلاً اعتدى على زوجته قاصداً إزهاق روحها. ومن هنا، أجمعت كل المذاهب والمدارس -منذ عهد الصحابة ومن بعدهم- على قتل الرجل بالمرأة قصاصاً، وفقاً لقاعدة «النفس بالنفس». ومن ثم، وإذا ساغ القياس فيما يتعلق بدية المرأة، فإن ذلك ينبغى أن يكون على أحكام القصاص، وليس على شهادة المرأة أو على ميراث المرأة. من ناحية أخرى، لا يجوز الاستدلال بالآية القرآنية

﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ للقول بتنصيف دية المرأة. فالاستشهاد هنا فى غير محله، لأن المراد بهذه الآية الكريمة هو مجرد الاختلاف والتباين بين الذكر والأنثى، وليس تفضيل أحدهما على الآخر. ولو جاز الاستدلال بهذه الآية فى تفضيل أحد الجنسين على الآخر، لوجب القول بأفضلية الأنثى على الذكر، حيث تقول الآية القرآنية ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ ولم تقل «وليست الأنثى كالذكر».

ولكل ما سبق، حسناً فعل المشرع الإماراتى بالنص صراحة على المساواة بين المرأة والرجل فى الدية. إن مثل هذه القوانين تسهم بلا شك فى تعزيز ثقافة المساواة بين الجنسين، وتندرج ضمن ما يمكن أن نطلق عليه «التجديد القانونى للخطاب الدينى».

والله من وراء القصد...

تعليقات الفيس بوك

عاجل