جيهان فوزى جيهان فوزى من قتل "إسراء"؟!
10:20 م | الأربعاء 11 سبتمبر 2019

قضية شرف أم قضية جاهلية، لم يعد هناك فرق بين الجاهلية الأولى وما نعيشه فى عصر التكنولوجيا والإنترنت، قضية «إسراء غريب» التى أثارت الرأى العام وتخطت حدود الأراضى الفلسطينية لتصبح حديث وسائل الإعلام الدولية لغموضها وغرابتها، لم تعد قضية خاصة ببلد عربى له ما له وعليه ما عليه، لكنها قضية أمة بأكملها يحكمها الجهل ويتملكها هاجس الشرف الزائف الغائر فى الأعماق، هاجس يرعب كل من يقترب منه، فهو الأمان وسر الحياة ورفعة الرأس، لم أتخيل أن تتحول بلدة «بيت ساحور» الواقعة فى مدينة بيت لحم، مهد الديانات والحضارة والتنوير لمسرح جريمة تراجيدية سوداء من فرط قسوتها وبشاعة تفاصيلها، وتصبح الحدث الأبرز عالمياً فى عناوين الصحف وتتصدر أعلى تريند على السوشيال ميديا، ربما يكون السبب تافهاً! ومألوفاً أيضاً، لكن يبقى السؤال: ما الذى اجترح كبرياء عائلتها وبالذات زوج شقيقتها ليصل الأمر إلى حد القتل؟! لست هنا فى موقع التحقيق أو التنبؤ فهذا متروك للقضاء والنيابة العامة التى تحقق فى القضية، لكن عندما تتحول الجريمة إلى منحى آخر من الخرافات، مثل أنها «ممسوسة بالجان»! لدرء التهمة عن فاعليها وممارسة الضغوط على والدتها المهددة بالانهيار لمنعها من البوح بحقيقة ما حدث لابنتها المقربة منها! هنا لا بد من وضع الأمور فى نصابها الحقيقى والبحث فى خبايا المجتمع وما طرأ عليه من تغير دراماتيكى.

الجريمة تفتح باب الشكوك والمخاوف كيف وصلنا إلى هذا المنعطف الحاد؟ خصوصاً أن مدينة «بيت لحم» مركز سياحى دينى مهم، ويتردد عليها آلاف السياح من كل الجنسيات، فيها «كنيسة المهد» التى تعد أكبر مزار دينى، خصوصاً فى احتفالات أعياد الميلاد المجيد، ناهيك عن أنها تحتضن «جامعة بيت لحم» العريقة» المصنفة علمياً وثقافياً إلى أعلى مستوى، وهى الجاذبة للتنوع الفكرى السياسى والثقافى، التى تنعكس بدورها على تكوين المجتمع وتساهم فى بلورة أفكاره! ولا ننس كم عانت المدينة من ممارسات القمع الإسرائيلية عندما لجأ إلى «كنيسة المهد» مقاومون فلسطينيون مطلوبون لأجهزة الأمن الإسرائيلية، فأثبت سكانها جسارتهم وأنهم على قدر المسئولية السياسية والاجتماعية حين رفضوا الرضوخ لمطالب الاحتلال وتحملوا العقاب الجماعى الذى مورس عليهم بالحصار والعزلة والاعتداءات بالأسلحة الثقيلة لأكثر من شهر، أظهروا فيها روعة التضحية وبسالة المقاومة والتعاضد والتكاتف فى المحنة التى فرضتها عليهم الظروف ولم تكن من اختيارهم، فلم يفكروا أبداً فى الاستسلام.

فما التحول الذى طرأ على سلوك الناس؟! ولماذا وصلنا إلى هذا المنحدر من التراجع الفكرى والثقافى؟ ومن المسئول عن هذا التراجع؟ هل هناك أسباب دخيلة اخترقت نسيج المجتمع وحولته إلى مجتمع أكثر انغلاقاً وتخلفاً، بعد أن كان ملتقى الثقافات والأفكار المتنوعة دون تطرف أو مغالاة؟ من تسبب فى تلك الانتكاسات المتتالية التى طرأت على المجتمع الفلسطينى فى الضفة الغربية وغزة، وهو الشعب الذى يتباهى بأن لديه أعلى نسبة تعليم على مستوى العالم وأقل نسبة أمية؟! هل هو اليأس السياسى من حل القضية الفلسطينية التى تشابكت خيوطها وتعقدت ولم يعد معها الحل ممكناً؟ أم سياسة الاحتلال العنصرية القائمة على التفريق والتضييق والانتهاك لحرمات الناس ومقدساتهم والتشكيك بثوابتهم والتنكيل بحيواتهم بشكل منظم؟ أم هو الانغلاق الذى أفرز الجهل وتفشت معه الأفكار المتطرفة الدخيلة على المجتمع؟ أم أنها حالة فردية لا تؤثر على المجتمع فى سياقاته المتعددة واهتماماته المختلفة وهمومه الكثيرة؟ إنها تساؤلات الحاجة الملحة إلى إجابة، خاصة إذا ما عرفنا أن الرئيس الفلسطينى محمود عباس فى عام 2014، كان قد أصدر مرسوماً ألغى بموجبه العذر المخفف لمن يقدم على قتل أنثى بدواعى الدفاع عن الشرف، ولكن يبدو أن القانون لم يسهم فى تراجع حالات قتل النساء داخل الأراضى الفلسطينية، ففى عام 2016 رصد مركز المرأة للإرشاد القانونى والاجتماعى 23 حالة وفاة لسيدات فى ظروف غامضة، من بينهن 12 امرأة فى الضفة الغربية و11 امرأة فى قطاع غزة!!.

إسراء عرت التناقض الصارخ الذى يعانى منه المجتمع العربى، إذ يدعى الحداثة وينادى بتحرر المرأة فى العلن، بينما يقدس نظاماً ذكورياً عشائرياً يتنصل من القانون ويسلب المرأة أبسط حقوقها فى الحب والحياة «دون قيود».

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل