خديجة حمودة خديجة حمودة دفتر أحوال الحب
10:20 م | الأربعاء 11 سبتمبر 2019

يؤلمنى أن يغيب الوحى والإلهام عن خيالى وأحلامى، وأن تهرب منى كلماتى وعناوين أوراقى وأن ترفض أذناى أى موسيقى أو ألحان أو كلمات سمعتها وسجلتها فى دفتر أحوالى الشخصية الخاص جداً، ورددتها لنفسى فى أوقات الانسجام والأمنيات الوردية اللون والرائحة أو أن أبحث عن دقة القلب المميزة التى كانت تسبق خطواتك وطلّتك وهلّتك داخلى فلا أجدها وأسمع غيرها صاخباً مزعجاً أو ضعيفاً غير واضح المعالم غريباً عن لغتنا الجميلة يكاد يغلق شرايين الحياة داخل الجسد الذى أنهكته قرارات وأحداث متنافرة غير متجانسة تفتقد مبادئ الإنسانية وتهدر حقوق المحبين والعشاق والأمهات والآباء والصغار أصحاب الغد والأمل والمستقبل والحب وأصوات الطيور والخطوات المتسارعة والعيون البراقة الضاحكة والأنامل المليئة بالحيوية وصاحبة اللغة الخاصة.

ويوجعنى حتى النخاع أن أبتعد خوفاً وقلقاً عن قضائى وقدرى ونصيبى الذى عشت أحلم به وله عندما أجد العيون الكريهة تتربص به وتريد القضاء عليه وسحقه أو تغييره عنوة بكل قسوة وإصرار.

ويبدو أننا أصبحنا نعيش فى غربة شديدة داخل أجسادنا فرضتها علينا الأيام والأحداث والضغوط حتى إنه أصبح من الصعب أو المستحيل بالنسبة لنا أن نجد الحروف والهمزات والوصلات والنقاط وأدوات التنوين التى توضح المعنى الحقيقى لكلماتنا ومشاعرنا وأحسسنا بأن ذلك أفضل لسلامتنا وسلامة أحبتنا، فنعيش غربة أخرى بعيداً عن الأوطان والأحياء القديمة التى رنت بين أرجائها ضحكاتنا ورسمنا فوق أرض أزقتها بالألوان زهيدة الثمن أشكالاً هندسية قفزنا فوقها وعدونا وحصلنا على أرقام وهمية أحسسنا بها أننا نطير فوق السحاب ونملك الأهرامات وذلك البرج الذى يتحدثون عنه وكيف يدور لنشاهد منه العاصمة الجميلة العريقة التى تسطع الأضواء فوق مبانيها ليلاً حاملة أسماء المنتجات التى نحلم بشرائها وكلنا سعادة ورضا بما يصل لأيدينا وتخبئه لنا أمهاتنا فى حقائب المدرسة لنستمتع به، ففى دفتر أحوال الحب والأحبة والعشاق والمحرومين والمدهوسين شوقاً وحرماناً والغرباء والمهجّرين قصراً والناجين بمعجزة إلهية من رحلات الهجرة غير الشرعية وأصحاب الهجرة المنظمة الحالمين بالثروة والحسناوات واللغة الجديدة وتغيير بطاقة الهوية وحمل جوازى سفر مختلفين يعطى لهم حماية دولية مهما ارتكب من أخطاء تتجول المعلومات أو يمكن القول تتحول وتتغير وتحكى كيف كنا وكيف أصبحنا الآن فاستبدلنا ساعى البريد صاحب الحقيبة الجلدية كاتم الأسرار وحامل الأوراق الملونة المعطرة والأخرى الرسمية وإنذارات الطاعة والنفقة المطلوبة والطلاق الغيابى وبرقيات التهنئة وأخرى للمواساة وغيرها تقول (احضر فوراً) وورقة الطلب للجندية برسائل (إس إم إس).

وبعد أن كانت هناك ورقة الأحلام (ورق اليانصيب) أصبح هناك رقم يسحب أرصدة الهواتف المحمولة ويضع أصابعه داخل جيوبنا لإعادة الشحن مرة وأخرى وثالثة ورابعة انتظاراً للفوز (٠٩٠٠) والحصول على الجائزة الكبرى ومشاهدة البرنامج الذى يطرق الأبواب ليحقق الحلم. وفى دفتر أحوال مدينتى وجدت كل شىء تحول، فبعد أن كانت لدينا القاهرة وخطة تحويلها لمدينة مغلقة للحفاظ عليها من أبناء المحافظات الأخرى خلقت العاصمة الإدارية الجديدة لتنافسها وتسرق منها الأضواء وتغيرت سلوكيات الزحام وانعدمت الخصوصية فى شوارع اختنقت بمبانيها وسكانها وزادت معدلات الكثافة السكانية برغم أسماء عديدة لمدن جديدة خاوية ومهجورة مبانيها شديدة الأناقة والفخامة وولدت المدارس الناشيونال والإنترناشيونال لتقضى على «الكُتّاب»، الذى منح طه حسين ونجيب محفوظ العالمية وتقلصت أوراق الصحف وولد الإعلام الرقمى والإلكترونى وتقلصت الدروس الدينية وتحولت لرسائل مطلوب إرسالها لعشرات من الأهل والأصدقاء لفك الكرب وشفاء الأمراض. فى دفتر أحوال الحياة أصبحنا غرباء نحمل فى صدورنا منظمات للقلوب التى أوجعها الحنين والحرمان والشوق لكل جميل ذهب ولن يعود. لنا الله.

 

 

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل