كم هي غريبة طباع البشر تلك التي تتقلب من حال إلى أخرى، فتتغير معها طبيعة الأيام.. فقديمًا كان يوم الجمعة يومًا تخرج فيه الأسرة إلى الأقارب لصلة الأرحام أو إلى الحدائق للهروب من ضغوط الحياة والعمل التي نواجهها في باقي أيام الأسبوع.. يوم لذكر الله وقراءة سورة الكهف والإكثار من الصلاة على النبي.. أفضل يوم عند الله، تدور الأيام ليتحول يوم الجمعة من كل أسبوع في عصرنا هذا إلى معارك ومجازر بسبب "السياسة الملعونة" التي ترفع الأشخاص فوق المجتمع والدولة وترفع المصالح الخاصة على الصالح العام.
ولا يمر يوم جمعة دون أن يشهد سقوط قتيل أو اثنين على الأقل، لا يهم إن كان من الشرطة أو من الإخوان، أو من المواطنين الذين لا ناقة لهم ولا جمل.. يكفيك أن تعلم أن اسمه "إنسان"، وهذا سبب كافٍ لحرمة دمائه.
لا يمر يوم جمعة الآن في هذه "الأيام النحسات" إلا ويوجد بيت في مصر يرتدي أهله "الأسود" حزنًا على فقيدهم الذي سقط قتيلاً في "مذابح الجمعة"- إن جاز التعبير- أو على الأقل يجلسون حوله في المستشفى إن كان مصابًا أو في أقسام الشرطة إن حالفه الحظ وكان معتقلاً بالخطأ ظنًا أنه من "الإخوان".
الصورة ليست قاتمة تمامًا.. فالأمل موجود وسط بحار اليأس المظلمة، وحل الأزمة يجب أن يكون موجودًا ومطروحًا.. فلكل داء دواء.
إن ما شهده ميدان الألف المسكن في الجمعة الماضية من اشتباكات- بل إن شئت الدقة قل "معارك"- وأن يصل الأمر إلى استخدام البنادق الآلية والقنابل فهذه وقاحة قبل أن تكون جريمة، ويجب تجفيف منابع تلك البؤر الإرهابية المسلحة والقبض على من يحرضونهم ومن يمولونهم بهذا السلاح، وفي نفس الوقت يجب طمأنة الناس بأن القادم ليس أسوأ وأن النظام الحاكم لن يعود للقمع وإفقار الشعب، ويجب حل المشكلات اليومية للمواطنين التي يشكون منها منذ عقود.. كل هذه أسباب تقود إلى وقف "مذابح الجمعة".. وإلى الاستقرار والبناء.
(ملحوظة: الآراء المنشورة في قسم "م الآخر" كتبها القراء، ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع وجريدة "الوطن"، وإنما تعبر عن آراء أصحابها)