الخرتية

ميلاد زكريا

ميلاد زكريا

كاتب صحفي

شهدت السنوات التى تلت انطلاق الألفية الثالثة انقلابات متسارعة فى أنماط الحياة، والتهمت التكنولوجيا طائفة واسعة من الحرف والمهن التى صارت منقرضة، على سبيل المثال انتهى زمن المنجدين وسرّيحة «دقيقة الموبايل بـ50 قرشاً» ومحلات الكاسيت وتأجير الفيديو.. إلخ، وبدلاً عن ذلك ظهرت مهن جديدة، منها «الركّين»، وهو بلطجى تائب يظهر عندما تتحرك بسيارتك ليأخذ حق الركنة، ومنها أيضاً الناشط السياسى، وهو كائن يتكلم كثيراً ويمشى وسط الناس المتظاهرين ليسرق منهم «كادر» اللحظة الثورية. وفيما يعود المتظاهرون الحقيقيون إلى بيوتهم بخفى حنين، يعود «بعض النشطاء» إلى حيث انطلقوا ليتقاضوا مقابل الحنجرة واللافتة. وتشبه مهنة الناشط السياسى، إلى حد كبير، مهنة «الخرتية»، وهم طائفة من الشباب الذين يجيدون لغات أجنبية، ويتمركزون عادة فى وسط القاهرة، ويحترفون اصطياد السائحين ليكونوا مرشدين لهم فى جولات التسوق بالعاصمة، ويحصلون فى المقابل على عمولة من أصحاب البازارات، أو ليلة مع سائحة، أو عرض سفر. وفى ظل الركود الذى أصاب السياحة عقب ثورة 25 يناير، اضطر عدد من «الخرتية» إلى العمل كـ«نشطاء»، ورأينا بعضهم يحملون صفات من نوعية «المنسق العام لاتحاد الثورة، وأمين عام ائتلاف الثورة، ورئيس عام اتحاد التنسيقيات.. إلخ»، قبل أن ينسحبوا من المشهد ليعودوا إلى اصطياد السائحين. قليلون هم النشطاء السياسيون الأصليون، وأقصد بـ«الأصليين» أولئك الذين أصبحت السياسة مهنتهم الوحيدة وسيظلون فيها إلى يوم مماتهم. ويحتاج هؤلاء إلى بيئة متوترة تضمن استمرار تدفق الرزق، تماماً كالجنود المرتزقة الذين يخرب السلام بيوتهم. لا بد من وجود سبب دائم للاحتجاج والهتاف، ولا بد أن يكون ذلك ضد الدولة حتى لو كان الشعب فى صف الدولة، فالشعار الأساسى للناشط هو: «الشعوب والأوطان زائلة ولقمة العيش هى الأبقى». وفى حين يبكى الشعب على جنود أبرياء قتلهم الإرهاب غدراً وهم نائمون أو مقيدو الأيدى، يتحدث الناشطون عن انتهاكات حقوق الإنسان فى الأقسام. لا مانع عند النشطاء من أن يقتل الإرهابيون جنوداً فقراء، هذا لا يستدعى صرخة غضب منهم. ولا مانع لدى النشطاء أن يطلق الإرهابيون الرصاص فى الشوارع فيقتلوا الفقراء أو يحرقوا بيوتهم ومحلاتهم أو يلقوا بأطفالهم من فوق أسطح المنازل، بل الأهم هو أن نتظاهر ضد قانون التظاهر. ليس مهماً لدى النشطاء أن يحرق الإرهابيون الجامعات، بل الأهم أن نتظاهر ضد حكم عودة الحرس الجامعى لإطفاء الحرائق، والأهم أن نتظاهر ضد القبض على القتلة والحارقين، ولمزيد من الحنتفة لا يجب أن نسمى الإرهابيين بأسمائهم بل نسميهم «معتقلين». ليس مهماً لدى النشطاء حرق دور العبادة ولا حرق مؤسسات الدولة التى دفع الفقراء ثمن بنائها، وليس مهماً لدى النشطاء استباحة حدود مصر، وليس مهماً لدى النشطاء قتل فقراء مصر فى ليبيا، وليس مهماً لدى النشطاء أى دم سال أو أى دم سيسيل، فالمهم فقط هو استمرار السبوبة.