رجائى عطية رجائى عطية العناد يورث الكفر (6)
10:00 م | الخميس 07 نوفمبر 2019

استوقفنى مع «عماء» العناد وما يورثه، «عماء» الاندفاع وما يقود إليه.. وربما كان القاسم المشترك بينهما أنهما يؤديان كل بطريقته إلى إلغاء العقل، وحضرتنى هذه الخواطر وأنا أتابع قصة نبى الله: عُزَيْر أو العُزَيْر عليه السلام.

والمشهور فيما أورد ابن كثير فى قصص الأنبياء، أنه من أنبياء بنى إسرائيل، وأن نبوته كانت فيما بين داود وسليمان وبين زكريا ويحيى، وأنه كان من حافظى التوراة، وأورد أن ابن عساكر نقل عن ابن عباس أنه سأل عبدالله بن سلام عن قول الله تعالى: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ» (التوبة 30)، فذكر ابن سلام ما كان من حفظه للتوراة وقول بنى إسرائيل إن موسى لم يستطع أن يأتيهم بالتوراة إلاّ فى كتاب بينما جاءهم عُزَيْرٌ بها من غير كتاب، فرماه طائفة منهم وقالوا عُزَيْر ابن الله.

وأورد المنتخب فى تفسير القرآن الكريم.. الصادر عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، أن عُزَيْراً هو عزرا الكاهن من نسل هارون خرج من بابل مع رجوع اليهود الثانى بعد وفاة رسول الله موسى عليه السلام بنحو ألف عام، وأنه كان يلقب بالكاتب، لأنه كان يكتب فى شريعة موسى.. وأورد ابن كثير فى تفسيره قصة طويلة فحواها أنه أُلْهم حفظ التوراة، وأورد القرطبى فى تفسيره الجامع لأحكام القرآن، أنه أُلْهم حفظها بعد أن انمحت من قلوب اليهود الذين قتلوا الأنبياء من بعد موسى عليه السلام، وأن عُزيْراً أظهر كرامته فى حفظ التوراة لبنى إسرائيل، وجعلوا يدرسونها عليه، ثم قيض لهم العثور على نسخة من التوراة كانت مدفونة فوجدوها مطابقة لما يقوله عُزَيْر.. فقر فى نفوسهم أنه صاحب معجزة، واندفع بعضهم يقول فيما رواه ابن كثير فى قصص الأنبياء إن موسى عليه السلام لم يأتهم بالتوراة إلاّ فى كتاب، بينما أتاهم عُزَيْرٌ بها من غير كتاب، فقالت طائفة منهم: عُزَيْرٌ ابن الله!!!

ويلاحظ أن ابن كثير لم يورد فى قصص الأنبياء لم يورد الآية 259 من سورة البقرة، فى استعراضه لسيرة النبى عُزَيْر.. وتقول الآية: «أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـى هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (البقرة 259).. ويبدو سبب عدم تبنى ابن كثير أن عُزَيْراً هو المعنى بهذه الآية، حين نطالع ما أورده عنها فى تفسيره، فقد ذكر أنه توجد روايات متعددة اختلفت فى تحديد شخص المقصود بهذه الآية، فبينما قال البعض إنه عُزَيْر، وهو المشهور، قال آخرون إنه أرميا بن حلقيا، وقال غيرهم هو اسم الخضر عليه السلام، وقال آخرون إنه حزقيل بن يوار.

* * *

هذا وينسب النبى يحيى، المعروف فى العبرية باسم يوحنا المعمدان، إلى النبى زكريا الذى كفل مريم وقام على خدمتها، وتمنى على ربه أن يهبه من لدنه ذرية طيبة، فلما نادته الملائكة كما يروى القرآن وهو قائم يصلى فى المحراب بأن الله تعالى يبشره بيحيى مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين، تعجب زكريا أن يكون له غلام وقد بلغ من الكبر عتيّا، وامرأته عاقر، فأخبره ربه تبارك وتعالى أن ذلك عليه هيّن سبحانه فقد خلقه من قبل ولم يك شيئاً.

وتتفق المرويات الإسلامية، والعبرية، فى سيرة النبى يحيى، أو يوحنا المعمدان، على اختلاف غير مؤثر فى بعض التفاصيل، والمتفق عليه أنه عليه السلام كان زاهداً متقشفاً صادق الوعد، وأقبل على دراسة الشريعة وأصولها وأحكامها حتى صار عالماً متبحراً فيها، ثم وافته النبوة قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره، وكان متقشفاً زاهداً كثير العزلة والعكوف والإخبات، سيداً وحصوراً وعزوفاً عن المنكرات والشهوات، وقد أمر بنى إسرائيل أن يعبدوا الله وحده، وأن يصلوا ويصوموا ويتصدقوا ويذكروا الله عز وجل، وبشرهم بملكوت السماء، وفيه قال القرآن المجيد: «يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِياً» (مريم 12)، ووصفه القرآن الحكيم بأنه كان تقياً وباراً بوالديه ولم يكن جبّاراً عصياً، ومجّده بالسلام عليه يوم وُلد ويوم يموت ويوم يُبعث حياً.

وأرجح الروايات أن ميلاده كان قبل مولد المسيح عليهما السلام بثلاثة إلى ستة أشهر، وربما سنة 5 ق. م، وبدأ خدمته بتكريز التوبة بمعموديته، فتقاطر عليه الناس واليهود من الكور المحيطة بالأردن، وأُثِرَ عنه فيما رواه إنجيل متى 3: 2 - 5 أنه كان ينادى فى الجموع: «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماء».

وبعد قليل بدأت خيوط المأساة التى أورت كم يبلغ الشر بالناس، وماذا يفعل بهم الاستسلام للخطايا والمغريات. كان هيرودوس قد أخذ امرأة أخيه فيلبس، فوبخه يحيى عليه السلام لأجل هذا الشر وغيره من الشرور التى كان يقارفها، فضغن عليه هيرودوس وألقاه فى السجن، ولكنه أحجم عن المساس به لما عرف عنه من آيات، ومن حب الناس وتوقيرهم له، ولكن زوجته هيروديا هى التى من حنقها عليه طفقت تكيد له وتحرض زوجها عليه لتكسر ما يحمله له من مهابة وتقدير أنه رجل بار وقديس، وانتهزت فرصة الوليمة الكبرى التى أقامها هيرودوس للاحتفال بعيد ميلاده، ودفعت ابنتها بارعة الجمال والجاذبية للرقص أمام هيرودوس، التى أدركت بحسها الأنثوى أنه يتيه بها إعجاباً، وجاءتها الفرصة حينما انتشى بالخمر التى لعبت برأسه، فقال للابنة فاتنة الجمال والرقص: «اطلبى فأعطيك، حتى ولو كان نصف مملكتى».. هنالك اغتنمت هيروديا الفرصة، وحرضت ابنتها أن تطلب من الملك أن يعطيها رأس يوحنا المعمدان على طبق، روع الملك من الطلب الجامح، ولكن مقاومته ضعفت تحت تأثير الخمر التى لعبت برأسه وأذهبت عقله، ويإغراء الجمال الذى حرك غرائزه وسحب بقية عقله، فأبى النكوص اغتراراً بملك زائل، وبمقولة عمياء أن كلمة الملوك وعد، وأن وعد الملوك لا يرد، فأصدر أمره الضرير، وإذا بالنبى يحيى عليه السلام يذبح ذبح الشاة، ويؤتى برأسه محمولاً على طبق يقدم للابنة الراقصة الهائمة بجمالها وفتنتها، فتسرع به إلى أمها التى تلقفته بالفرح والسرور، لما بلغت بغيتها المدفوعة بالضغن والحقد الذى أذهب عقلها، وأحالها إلى طاقة شر ضريرة، لا تعى ما تفعل، ولا تدرك جسامة هذا الجرم الشنيع الذى بقى على مر السنين مثلاً صارخاً لما يورثه العناد والضغن من عماء وكفر وهلاك!!

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل