د. محمود خليل د. محمود خليل رحلة الوجع الأدهمى
10:01 م | السبت 09 نوفمبر 2019

كثرة العدد تؤدى إلى إهمال القليل. يبدو أن الجالس على عرش الأدهمية لا يلقى بالاً لعدد من يختطفهم الموت بسبب الإهمال، بسبب كثرة الأداهم وارتفاع معدلات التناسل فى ما بينهم. عدد من ذهبوا حرقاً فى قطار العياط 2002 كان بالمئات، وبعد هذه الواقعة بأربع سنوات، وتحديداً عام 2006، حدث ما هو أدهى عندما غرقت العبارة «السلام 98» فى مياه البحر الأحمر، ومات أكثر من ألف من بسطاء الأداهم غرقاً. بعد الحادث المروع بساعات، كان الرئيس حسنى مبارك يحضر مباراة نهائى كأس أفريقيا بين مصر وساحل العاج، وأثار رد الفعل العجيب من جانب «مبارك» دهشة الأداهم، لكنهم تأكدوا من حقيقة أن العدد الكبير لسكان الأدهمية يدفع من يجلس على عرشها إلى عدم الاكتراث بالدرجة المطلوبة بقلة تذهب حرقاً أو غرقاً، نتيجة الإهمال والتقصير فى أداء أولى الأمر.

أوجع حادث العبارة قلوب الأداهم، بعد أن أوجعهم حادث قطار العياط، لكن رحلة الوجع شاءت أن تتواصل، لتقدم مشاهد موت جديد لا يذهب فيها الضحايا حرقاً أو غرقاً، بل ردماً. كان ذلك فى عام 2008 حين انهارت بعض صخور المقطم صباح أحد أيام شهر رمضان فوق رؤوس الأداهم الذين ناموا لتوهم بعد تناول السحور بحى «الدويقة». أدى الحادث إلى مقتل أكثر من 63 شخصاً وإصابة 58 آخرين. المشهد يومها كان يثير الرثاء. والعجيب أن الحكومة وقتها مارست بالشكل المعتاد، وأخذ تلمح بأن مسئولية ما حدث تقع فوق رأس السكان الذين دقت الصخور عظامهم، بسبب العيش فى العشوائيات، وهى نتيجة طبيعية للزيادة السكانية وكثرة الهجرة من قرى ونجوع الأدهمية إلى قاهرة المعز. وعطفاً منها منحت أسر الضحايا والمصابين ما اعتادت على منحه فى مثل هذه الأحوال من تعويضات هزيلة وبطاطين ووجبات وخلافه.

كان قطار الوجع يسير فوق قضبان الأدهمية طوال العقد الأول من الألفية الجديدة، ليجثم بثقله فوق نفوس الأداهم وهم يتنقلون من عام إلى عام خلال هذه الحقبة. أخذ بعضهم يكرر الكلام نفسه الذى تردّده الحكومة حول العدد الكبير وفيضان النسل المتدفّق من أصلابهم، وأنه سبب كل المشكلات التى يعانون منها، ارتاح هذا البعض للتفسير المتداول الذى ارتاحت إليه الحكومة، دون تأمل لهؤلاء المستفيدين من الكتلة البشرية الضخمة والمتمدّدة عددياً مع الانتقال من الدقيقة المعيشة إلى الدقيقة التالية. كان أكثر المستفيدين هم رجال الأعمال المتحالفين مع السلطة ممن ينتجون ويستوردون السلع ويسيلون لعاب الأداهم عليها من خلال الإعلانات الأخاذة.

لم تستثنِ ماكينة البيع غنياً ولا متوسطاً ولا حتى فقيراً. فبعد إشباع الطبقة الأعلى بالسلعة وانتفاخ الجيوب بالمكاسب، كان يتم الاستدارة إلى الطبقة الأقل قدرة من الأداهم من خلال تقديم السلعة بأحجام ومواصفات أقل لتُباع بثمن أرخص. ولعبت لعبة التدرّج دورها فى سحب المئات، ثم الخمسينات، ثم العشرينات، ثم العشرات، ثم الجنيهات، وحتى أنصاف وأرباع الجنيهات من جيوب الأداهم لتتحول إلى مليارات فى جيوب الكبار.

تعليقات الفيس بوك

عاجل