أسرة تتخلص من عزلين.. الابنة تعافت من كورونا والابن أنهى الثانوية

كتب: سمر صالح

أسرة تتخلص من عزلين.. الابنة تعافت من كورونا والابن أنهى الثانوية

أسرة تتخلص من عزلين.. الابنة تعافت من كورونا والابن أنهى الثانوية

في ساعات الليل الأخيرة من يوم الخامس من يونيو الماضي، وبعد قضاء يوم حافل في عيد ميلاد أحد الأصدقاء المقربين لها، داهم جسد منة شعور بإعياء شديد صاحبه ارتفاع في درجة الحرارة وآلام في الحلق، تملكها الشك في الإصابة بـ"كورونا"، حاولت درء الفكرة عن عقلها لحرصها على ارتداء الكمامة وسط زحام الحضور ولكن اشتد الإعياء وخضعت للتحاليل والفحص وفي غضون ساعات قليلة تأكدت من إصابتها بالفيروس، لم تخش على نفسها حينها قدر خشيتها على مستقبل أخيها الأصغر الذي بدأ استعداده لانطلاق ماراثون الثانوية العامة، وبدأ العد التنازلي للتجربة التي تفصله خطوات قليلة عن حلم الالتحاق بإحدى كليات القمة.

العدوى جاءت من حضور حفل عيد ميلاد وتم عزل الابنة لمدة شهر 

منذ مارس الماضي، التزمت الأسرة بقرارات الحظر وعدم الاختلاط، حتى بدأت الحياة تنفتح تدريجيا وتلقت منة ذات العشرين عاما دعوة لحضور عيد ميلاد أحد الأصدقاء المقربين لها، وجدت فيه متنفسًا للخروج بعد حجر دام ثلاثة أشهر، لم تعلم أنه سيتحول إلى كابوس يجبرها على عزل تام في غرفة بمفردها لمدة شهر كامل، "صعوبة الإصابة إنها جات وقت امتحانات الثانوية العامة وخايفين على مستقبل أخوها"، تقول الأم أماني ثروت في بداية حديثها لـ"الوطن" عن المسؤولية التي تحملتها خلال الشهر الماضي لمراعاة ابنتها مريضة كورونا وابنها طالب الثانوية العامة.

الابن حامد، طالب الشعبة الأدبية، كان قد عزم النية على أن يرفع رأس والديه ويلتحق بإحدى كليات القمة، وبينما اعتمدت الوزارة جدول الامتحانات، وهيأ الفتى المراهق نفسه للماراثون التعليمي صفعه خبر إصابة شقيقته بفيروس كورونا، فانقلبت الدنيا رأسًَا على عقب وأعلنت الأسرة حالة الطوارئ كل منهم في معزل عن الآخر، وبات محاصرًا بين رُحى الخوف عليها ومواجهة رهبة الثانوية العامة، بحسب وصف الأم.

غرفة الأم والأب الواقعة في نهاية الشقة تحولت إلى غرفة عزل لـ"منة" لا يقترب إليها أحد دون ارتداء الكمامة والقفازات، تترك الأم لابنتها أطباق الطعام أمام باب الغرفة وتنصرف لمتابعة مذاكرة ابنها المعزول بعيدا في غرفة بمفرده خوفا عليه من العدوى، "خصصنا أوضة ليه لوحده يذاكر فيها خوفنا عليه يتعب وقت الامتحانات"، ومن يمين ويسار أرجاء المنزل تجول الأم طوال ساعات النهار لرعاية أبنائها يساعدها في ذلك ابنتيها الأصغر في مرحلة الابتدائي والإعدادي.

الابن استكمل المراجعات مع معلميه عبر الإنترنت وتم عزله بعيدا عن شقيقته خوفا عليه من العدوى

مراجعات نهائية تلقاها الابن حامد بواسطة معلميه الذين استكملوا معه الشرح عبر تطبيق زووم الإلكتروني عبر الإنترنت بدلا من الحضور إلى المنزل لوجود مصاب كورونا بينهم، بينما حاول أصدقاء منة مساعدتها في إكمال الأبحاث المتبقية في السنة الدراسية، الأم باتت تراقب تطور الحالة الصحية لابنتها وتقضي ساعات في مساندة ابنها في تلك المرحلة المصيرية، "منة خدت الأدوية وجلسات البخار لمدة 15 يوم وكملت عزل لأن الكحة كانت مستمرة"، حتى مضى نحو 45 يوما تفرقت فيه الأسرة داخل المنزل.

لم يكن أمام طالب الشعبة الأدبية، إلا الصمود وإظهار القوة أمام والديه رغم العبء النفسي الواقع عليه من العزلة، يسترق من وقته الممتلئ بالمهام الكثيرة وحصص المراجعات اليومية عبر الإنترنت مع مُعلميه، دقائق ليطمئن على أخته المعزولة، يتواصل معها عبر الإنترنت تارة ويقف لمحادثتها من خلف باب الغرفة تارة أخرى بعد أن يرتدي الكمامة.

أصدقاء منة وجيرانها قاموا بدعمها نفسيا بالهدايا والأكلات المحببة إليها

لم يخطر على بال الأم أن امتحانات الثانوية العامة التي تجهزت لها بحصولها على إجازة لمدة عام كامل من عملها كمدرسة ابتدائي، لرعاية ابنها ومتابعة مذاكرته ستتحول إلى عبء نفسي وجسدي مضاعف لها بهذا الشكل، تقول الأم التي سبق صوت التنهيدة حديثها "الفترة دي كنت مشتتة بين رعاية اتنين واحدة عيانة والتاني خايفين على مستقبله".

لم تخل غرفة العزل التي قضت فيها منة أكثر من شهر كامل من الهدايا وأطباق الطعام المفضل لها، تكاتف أصدقائها وأقاربها وجيرانها في دعمها معنويًا في أزمتها الصحية، بعضهم يأتي ليراها من شرفة المنزل وآخرون يتركون الحلوى والهدايا على باب الشقة وينصرفون، ما ساعد على عبورها الأزمة بسلام نفسي، حسب وصف الأم.

بعد أيام شداد انقطعت فيها أسرة منة وحامد عن الاختلاط ببعضهم بحرية، انفرجت الأزمة وتعافت الابنة العشرينية في وقت تزامن معه انتهاء ماراثون الثانوية العامة لتصبح الفرحة فرحتين، احتفالا بانتهاء العزل لها منذ أيام قليلة بعد زوال كافة الأعراض المصاحبة للإصابة، وفرحًا بختام الامتحانات وأيام الضغط النفسي، لحظات الاحتفال وصفتها الأم أماني بقولها "آخر يوم امتحانات الولاد غنوا ورقصوا مع بعض فرحانين عشان حياتنا هترجع تاني بشكل طبيعي".


مواضيع متعلقة