«نوبل» للسلام.. قليل من الشكوى كثير من العمل
جائزة نوبل للسلام هى واحدة من خمس جوائز، أُنشئت بناء على وصية المخترع والصناعى السويدى «ألفريد نوبل»، وذلك بالإضافة إلى الجوائز الأربع الأخرى الممنوحة فى تخصصات الكيمياء والفيزياء والطب والأدب. وقد أضيف إلى هذه المجالات الخمسة مجال آخر، وهو العلوم الاقتصادية، وذلك فى العام 1968م. وقد تم منح جائزة نوبل للسلام لأول مرة فى العام 1901م، حيث تم منحها مائة مرة منذ هذا التاريخ، وحصل عليها 134 شخصاً، منهم 107 أفراد و27 منظمة أو هيئة أو مؤسسة.
وعلى الرغم من الشهرة الواسعة والأهمية الكبيرة التى تحظى بها، فإن هذه الجائزة تعرضت للعديد من الانتقادات فى الآونة الأخيرة، بحيث يبدو سائغاً الحديث عن «أزمة جوائز نوبل». وعلى حد قول أحد الكتاب: «تحظى جوائز نوبل فى الاقتصاد والآداب بدرجة من الجدل والنقاش، ولكن جائزة نوبل للسلام باتت تقريباً خارج السياق». وإذا كانت هذه الانتقادات قديمة، فإن حدتها زادت مؤخراً، مع فوز بعض الشخصيات ذات التوجهات المنافية للمبادئ التى قامت عليها الجائزة، حيث يُفترض أن يتم منحها للذين قاموا بأكبر قدر أو أفضل عمل للتآخى بين الأمم والحفاظ على السلام وتعزيزه.
وقد اتجهت سهام النقد إلى الجائزة فى الفترة الأخيرة بسبب فوز كل من الرئيس الأمريكى السابق «باراك أوباما» فى سنة 2009م، أى بعد أشهر قليلة من وصوله إلى منصب الرئاسة فى بلاده، والناشطة الإخوانية «توكل كرمان» فى سنة 2011م، ورئيس الوزراء الإثيوبى «آبى أحمد» فى سنة 2019م. ولعل ما يثير الريبة والشك فى هذه الحالات الثلاث هو التسرع فى منح الجائزة، دون انتظار الوقت الكافى للحكم على الشخص وتوجهاته. بالإضافة إلى ذلك، ينتقد البعض عدم سحب الجائزة من رئيسة وزراء ميانمار «أون سان سو تشى»، التى فازت بالجائزة فى سنة 1991م، نظير كفاحها السلمى من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان فى بلادها. ومع ذلك، وفى تناقض صارخ مع أساس منحها الجائزة، التزمت «أون سان سو تشى» الصمت إزاء أحداث شغب ولاية راخين، التى اندلعت سنة 2012م، وتكررت لاحقاً سنة 2015م، وما تتعرض له أقلية الروهينجا من اضطهاد عرقى ودينى.
ومع عودة أعمال العنف تجاه الأقلية المسلمة فى أغسطس 2017م، وهروب أكثر من ربع مليون لاجئ إلى بنجلاديش، ارتفعت وتيرة الانتقادات العالمية تجاه صمت «أون سان سو تشى» على ما يحدث، كما ارتفعت مناشدات من بعض حاملى جائزة نوبل للسلام لها بالتدخل ووقف العنف.
وحصلت عريضة تطالب بسحب جائزة نوبل للسلام من «أون سان سو تشى» على أكثر من 300 ألف توقيع جماهيرى تطالب فيه اللجنة المنظمة للجائزة بسحبها منها، كما أصدرت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة فى 4 سبتمبر 2017م بياناً دعت فيه لجنة جائزة نوبل لسحب جائزتها للسلام من «أون سان سو تشى»، قائلة «إن ما تقوم به سلطات ميانمار من جرائم بشعة ضد أقلية الروهينجا المسلمة بمعرفة رئيسة وزرائها وتأييدها عمل يتناقض مع أهداف جائزة نوبل ومع القانون الدولى وحقوق الإنسان».
وقد رد رئيس اللجنة النرويجية لجائزة نوبل على هذه الدعوات باستحالة سحب جائزة نوبل من أى شخص تسلمها، وذلك وفقاً لوصية ألفريد نوبل، وأن لجنة الجائزة غير مسئولة عن أفعال أى شخص بعد تسلمه للجائزة.
وما ينطبق على أون سان سو تشى ينطبق أيضاً على آبى أحمد الذى ينتهك بشكل سافر الاتفاقيات الدولية الحاكمة للأنهار الدولية، كما ينتهك جيش بلاده الحدود السودانية بشكل متكرر، فضلاً عما تؤدى إليه تصرفاته من تعطيش الشعبين المصرى والسودانى.
وإذا كانت الانتقادات تتوجه جميعها إلى اختيارات الجائزة، فإن عدم الشفافية الذى يحوط بالترشيحات، وبحيث تقرر قواعد الجائزة عدم الكشف عن هذه المعلومات سوى بعد مرور خمسين عاماً عليها، هو أمر يستحق التوقف عنده. إن الإعلان عن المرشحين ومن يقف وراء ترشيحهم هو السبيل الأول لعودة الثقة المفقودة فى الجائزة. كذلك، قد يكون من المناسب فى الوقت الحالى التركيز فى ترشيحات الجائزة على جهود القضاء على الفقر والتنمية الاجتماعية، منظوراً إليها باعتبارها إحدى آليات تحقيق السلم والأمن الدوليين بالمعنى الواسع. ولما كانت الحكومات يمكنها الترشيح للجائزة، نرى توجيه الدعوة للحكومة المصرية لممارسة حقها فى ترشيح شخصية مصرية أو عربية سنوياً، ويمكن أن يكون الدكتور مجدى يعقوب هو المرشح المصرى لنيل الجائزة فى العام القادم.. والله من وراء القصد.