الوطن ترافق مهند في أول حصة ضد التنمر: تباعد وكمامة واحترام للآخر
الوطن ترافق مهند في أول حصة ضد التنمر: تباعد وكمامة واحترام للآخر
- العام الدراسي الجديد
- مادة القيم والأخلاق
- الطالب مهند عماد
- الرئيس السيسي
- طارق شوقي
- وزير التربية والتعليم
- ذوي الاحتياجات الخاصة
- العام الدراسي الجديد
- مادة القيم والأخلاق
- الطالب مهند عماد
- الرئيس السيسي
- طارق شوقي
- وزير التربية والتعليم
- ذوي الاحتياجات الخاصة
ليلة لم ينم فيها الصغير، باله منشغل بأول أيام العام الدراسي الجديد، ليس الأول له وسط زملاءه بالمدرسة التي ينتمي إليها منذ المرحلة الابتدائية، لكنه الأول بعد أن تحقق حٌلمه الذي تشبث به، وأقرت وزارة التربية والتعليم مقررا دراسيًا جديدًا بناء على رغبته، التي أعلنها على مرأى ومسمع الآلاف بل الملايين، وضع الكتاب الجديد أولا في حقيبته استعدادًا لمناقشته أمام أقرانه، والتباهي بإمضاء الوزير له على نسخته أمامهم.
على باب مدرسة طه حسين للمكفوفين التابعة لإدارة الزيتون التعليمية، رافقت عدسة "الوطن" الطالب مهند عماد، صاحب مطلب تدريس مادة القيم واحترام الآخر من الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال احتفالية قادرون باختلاف.
ركض الفتى في اتجاه فصله الكائن بالطابق الثاني سريعا، يملؤه شعورا بالفخر والنجاح، بعد أن بات محط أنظار الجميع وهو لا يزال في الحادية عشرة من عمره، التقى رئيس الجمهورية ولم يهب اللقاء وتحدث إليه بشجاعة، بعد أن بدأ يٌملي عليه معاناة واقع بات مفروضا عليه، يؤلمه هو وأمثاله، يطلب منه تدريس مادة للأخلاق والقيم لتغيير الواقع بالعلم والثقافة، فما كان من الرئيس إلا أن استمع إليه بإنصات وأعطى إشارة البدء في ثورة فكر تغزو عقول الطلاب الصغار لتنيرها، وخلال شهور قلائل أصدر وزير التربية والتعليم قراره بإدراج المادة لطلاب المرحلة الابتدائية، لتربية النشء على قدر من الوعي.

مهند: توقعت استجابة فخامة الرئيس لأننا متعودين منه يسمعنا
وسط زملاءه بالصف الأول الإعدادي، انهمك "مهند" في وصف كواليس اللقاء الذي جمعه الشهر الماضي، بالدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم في مكتبه، لإهدائه أول نسخة من كتاب مادة القيم والأخلاق المقررة حديثًا، وعليه إمضاء شخصي من الوزير "إلى الطالب الرائع مهند، هدية من مصر إليك للتعبير عن الإعجاب بأفكارك".
وما أن بدأت الحصة الأولى ودخلت معلمة مادة العلوم للشرح، خيّم الصمت أرجاء المكان وصغت لها آذانهم، كلما ألقت عليهم سؤالا لتنشيط ذاكرتهم بالمنهج يرفع "مهند" يده معلنًا رغبته في الإجابة، وصفته معلمته لـ"الوطن" بـ"الطالب النشيط".

"وقت الاحتفالية توقعت استجابة فخامة الرئيس لأننا متعودين منه يسمعنا، لكن متوقعتش سرعة تطبيق المادة".. ببراءة طفل صغير، أعرب مهند عن فرحته بتطبيق مادة القيم والأخلاق بدءًا من العام الدراسي الحالي، فالقضية ليست قضيته وحده وإنّما قضية المكفوفين وذوي الهمم كافة، بحسب تعبيره.
انتهى وقت الحصة الأولى في جدول الصف الأول الإعدادي الذي ينتمي إليه مهند، وجاء موعد الحصة الثانية التي خصصتها المدرسة ليناقش فيها الفتى الصغير محتوى كتاب مادة القيم والأخلاق على زملائه بفصول المرحلة الابتدائية، كونها مقررة عليهم.
تسمّر "مهند" قليلا ليلتقط أنفاسه قبل الدخول إلى أول حصة لشرح المادة، خواطر عدة تجول في رأسه الصغير، هنا في نفس المكان تمنى قبل عام واحد فقط أن يصرخ في وجه كل من يرمق أحد أصحابه المكفوفين بالشارع بنظرة سلبية تترك جرحا غائرا في صدورهم: "طول الوقت كنت بتمنى أقول للناس إحنا من حقنا نعيش وسطكم بشكل طبيعي، وبزعل لما حد يضايقني أنا وزمايلي بكلمة، والنهارده أنا حققت الحلم"، بحسب تعبير مهند في حديثه لـ"الوطن".

"مهند" يبرع في تقمص شخصية معلم الفصل ويشرح محتوى الكتاب لطلاب المرحلة الابتدائية بثقة وثبات
"القيم واحترام الآخر.. معا نبني".. هكذا جاء اسم الكتاب المقرر بداية من الصف الثالث الابتدائي على الغلاف الخارجي، للنسخة التي تسلمها مهند من الوزير في مكتبه بالوزارة، ينقسم إلى أبواب عدة ذات محتوى أخلاقي تدعم مفاهيم الاحترام وقبول الآخر، والتسامح والصدق والأمانة، مدعما برسوم معبرة للمواقف المختلفة لتوصيل معنى الرسالة للطلاب بخاصة في هذا السن الصغير، كرسم يوضح تعريف مفهوم الأمانة وأهمية النظافة الشخصية، ومن بين الشخصيات طفل كفيف يتحدث خلال ندوة عامة أمام الجمهور، في إشارة إلى حق هذه الفئة في المشاركة المجتمعية ودورهم الفعال في المجتمع.
برع "مهند" في تقمص شخصية معلم الفصل، بدأ بشرح محتوى الكتاب لطلاب المرحلة الابتدائية بثقة وثبات، يتصفحه أمامهم ويستمع إليهم كلما أعرب أحدهم عن رغبته في رواية موقف تعرض فيه للتنمر من فقدان بصره: "الكتاب ده هيخلي الأطفال اللي قدنا تفهم اختلافنا"، قال عبدالتواب، أحد الطلاب المكفوفين بالفصل خلال مناقشة مهند لمحتوى المادة المقررة حديثا.

مديرة المدرسة: استجابة الرئيس تؤكد أنّ الكفيف له دور يشبه دورنا ويشاركنا في المجتمع
سونيا عبد المجيد، مدير مدرسة الطالب مهند، بدأت حديثها لـ"الوطن" بالإشادة بموقف الرئيس عبدالفتاح السيسي، حين منح الفرصة لطفل صغير أصغر من عمر أبنائه للتعبير عن مشكلة تواجهه، ولم يكتف بذلك بل أعطى أوامره لتنفيذ مطلب الطالب: "ده بيأكد إن الكفيف ليه دور زينا وبيشاركنا في المجتمع"، بحسب تعبيرها.

مديرة مدرسة طه حسين التي وصفت الطالب مهند، بـ"النشيط المتكلم"، أكدت أنّ المادة الجديدة التي سيتم تدريسها بطريقة برايل لطلاب مدرستها مع دمج الكلام النظري بمواقف عملية شارحة، ستترك اثرا في الأجيال المقبلة وليس فقط بين مهند وزملاءه، كونها مادة تسعى لغرس مفاهم التقبل والاحترام التي تغفل بعض الأسر عن تربية أبنائها عليها.
ثلث ساعة تقريبا مضت من عمر الحصة الثانية، أوشكت مدتها على الانتهاء، ولا يزال الفتى الصغير منشغلا بمناقشة زملاءه في المقرر الجديد، لم يتوقف حديثه معهم إلا بسماع صوت الجرس معلنًا انتهاء وقت الحصة، فحمل نسخته من الكتاب التي يحتضنها طوال الوقت كما تحتضن الأم صغيرها خوفًا عليه من أن يصيبها "خدش" بسيط، واتجه صوب فصله ليعاود استكمال حصص يومه الدراسي.
على صفحته الرسمية التي دشنها عبر فيس بوك، يبث الطالب الصغير مقاطع فيديو شارحة لمحتوى كتاب المادة الجديدة: "بحاول أشرحلهم المنهج بطريقة عملي بسيطة للأطفال في السن الصغير"، وذلك بناء على طلب الوزير منه خلال لقاءه معه.