القطاع الخاص الطبى.. وترتيب الأولويات

فى تحرُّك محمود وينبغى تثمينه عقدت السيدة وزيرة الصحة اجتماعاً منذ أيام قليلة مع غرفة مقدمى الخدمات الطبية بالقطاع الخاص وعدد من ممثلى المستشفيات الخاصة، لمناقشة سبل التعاون لمواجهة أزمة انتشار فيروس «كوفيد» فى موجته الثانية، ولتبادل الخبرات حول بروتوكولات العلاج للمرضى وتوحيد الجهود المبذولة فى هذا الشأن.

الخطوة جيدة فى مجملها وإن تأخرت كثيراً.. فما زالت فى الأذهان تلك الأزمة التى حدثت فى منتصف العام الحالى بين وزارة الصحة والقطاع الخاص الطبى، حين أقرت الوزارة تسعيرة محددة لعلاج مرضى «كوفيد»، واعتبرت المستشفيات الخاصة تلك التسعيرة غير عادلة ورفضت التعامل بها، للدرجة التى أدت لانسحاب بعضها من تقديم الخدمات العلاجية لمرضى «كوفيد» فى أصعب وقت مر على القطاع الصحى بمصر ربما فى تاريخه بالكامل!

الأزمة وإن تم التغلب عليها فى وقتها إلا أنها فتحت الباب لمناقشة فكرة الاستثمار فى القطاع الطبى، والضوابط التشريعية والقانونية التى ينبغى توافرها لضبط الأداء فى هذا القطاع الحيوى.

فى البداية ينبغى الإشارة إلى أن القطاع الخاص شريك رئيسى فى تقديم الخدمات الصحية فى العالم كله مع الأنظمة الحكومية، بل إن نسبة مشاركته تتجاوز فى بعض الدول نسبة مساهمة الحكومات ذاتها!

المشكلة أن القطاع الخاص فى مجال الصحة بمصر غير منظَّم من الأساس، فهو يعمل وكأنه فى جزيرة منعزلة عن احتياجات المواطن أو الدولة لوجوده، وفى ظل إشراف ورقابة هزيلة لا تتمكن من التحكم فى أولويات تقديم الخدمة أو جودتها، كما أنه لا يقدم للقطاع الصحى ما يضيف إليه، سواء من خبرات بشرية أو أجهزة حديثة بالشكل الذى يفترض أنه يفعله.

معظم المستشفيات الخاصة تقدم نفس الخدمات الموجودة بالفعل.. التسعير يقوم على قرارات مستقلة من أصحاب رؤوس الأموال المستثمرة نفسها!

المستشفيات الخاصة يقع معظمها فى العاصمة وحدها.. معظم أجهزة أشعة الرنين المغناطيسى والمسح الذرى الخاصة موجودة فى القاهرة والإسكندرية.. لا يوجد أى وسيلة لإعادة توزيع تلك الخدمات جغرافياً بالشكل الذى يخدم النظام الصحى أو المواطن فى كل مكان على أرض الوطن.

أعرف أن الأمر يخضع للعرض والطلب، وأن الأمر فى نهايته هو مشروع يستهدف الربح لأصحابه فى المقام الأول، ولكننى أعتقد أن أزمة «كوفيد» قد أبرزت أن قطاع الصحة تحديداً ينبغى أن يحمل الاستثمار فيه بعضاً من المسئولية المجتمعية والتضامن الوجوبى، كما ينبغى أن يتم توزيعه بشكل متناسق مع عدد السكان فى كل محافظة ليقوم بدوره المنوط به بشكل كامل.

هناك محاولة بدأت بالفعل لإصلاح القطاع الصحى وإعادة توزيع الخدمات فيه تحت مظلة التأمين الصحى الشامل، ولكنها محاولة تحتاج من الجميع استيعاب أهدافها جيداً والتى يأتى فى مقدمتها تنظيم العمل وضبطه بين القطاعين العام والخاص، ووضع معايير جديدة تضمن توفير الخدمات وتوزيعها بشكل جغرافى متزن سواء باستخدام إمكانيات الوزارة أو القطاع الخاص.

المحاولة ينبغى -بالإضافة إلى تنظيم العمل فى الظروف العادية- أن تستند إلى تشريعات مستحدثة تمكن الدولة من السيطرة على الأمر فى أوقات الأزمات مثل أزمة «كوفيد».. وتتيح للمواطن خدمة صحية -غير هادفة للربح- بشكل عادل!

أعتقد أن قانوناً للطوارئ الطبية ينبغى أن تتم مناقشته فى القريب العاجل.. قانوناً يتيح للدولة السيطرة على القطاع الخاص وإجباره على ممارسة مسئوليته المجتمعية ودوره المنوط به فى تلك الأوقات.. بالإضافة إلى حزمة تشريعية جديدة تمكن الوزارة من تحديد أماكن تقديم الخدمات الصحية وتسعيرها بشكل مقبول.. أو هكذا أعتقد.