«سى عمر».. حتى الفساد طبقات

كتب: سماح عبدالعاطى

«سى عمر».. حتى الفساد طبقات

«سى عمر».. حتى الفساد طبقات

فى القطار يجلس الموظف البسيط «جابر شهاب الدين» فى طريقه للقاهرة، بحثاً عن مورد رزق جديد بعد أن فُصل من وظيفته ككاتب فى إحدى الدوائر الزراعية، التى يمتلكها الوجيه الأمثل «عمر الألفى»، بسبب اعتراضه على فساد وسرقة يمارسهما موظفو الدائرة بالتعاون مع الناظر. وفى القاهرة يتعرف «جابر» على نمط آخر من الفساد والسرقة؛ الكل يسرق الكل، «عبدالمجيد ساطور» اللص المحترف يمتلك مهارات عديدة فى سرقة كل شىء، يدير عصابة للسرقة يضم إليها «جابر» قسراً، و«برللانتا» الحسناء الفاتنة تحتال على «جابر» لتسرق منه عقداً ثم تختفى، وعند ملاحقتها يكتشف أنها زوجة «عمر الألفى» صاحب الدائرة التى كان يعمل بها، كما يكتشف شبهاً كبيراً بينه وبين «عمر»، يدفع أهل الأخير لأن يظنوا أنه هو، خاصة أن «عمر» كان غائباً عن أهله لأكثر من عشرين عاماً. ووسط الطبقة الارستقراطية يتعرف «جابر» على لص آخر، ممثلاً فى «جميل بك» رجل الشرطة المتقاعد وعم «عمر»، الذى يضع يده على أموال ابن أخيه الغائب وينهب منها كما يشاء. وعندما يظهر «جابر» ليحل محل «عمر» يقاتل «جميل» من أجل التخلص منه، بل ويستعين بـ«ساطور»، اللص المحترف، لمعاونته فى السيطرة على «جابر»، وبهذا تكتمل دائرة اللصوصية، قبل أن يعود «عمر» الحقيقى ويكشف كل شىء. كوميديا اجتماعية كاشفة صاغها الممثل الشهير نجيب الريحانى وشريكه الفنى بديع خيرى، وأخرجها نيازى مصطفى فى عام 1941 تحت عنوان «سى عمر»؛ تلقى الضوء على مصر فى فترة الأربعينات، فيدرك الجميع أنها لم تختلف كثيراً عن مصر بعد أكثر من سبعين عاماً، الفساد نفسه، وأساليب السرقة -التى تطورت- نفسها، والفهلوة نفسها التى يتعامل بها الجميع. الاختلاف الوحيد هو فى هيئة الناس وأزيائهم، حيث يحرص جميع من ظهروا فى الفيلم على ارتداء بذلة ورابطة عنق وطربوش بما فيهم سائق الحنطور، بينما ترتدى النساء أحدث الأزياء الأوروبية، بما يتلاءم مع الموضة وقتها. أما لهجة الحديث فراقية حتى التى تدور بين اللصوص أنفسهم. يغلب على الفيلم كوميديا الموقف التى ابتدعها «الريحانى»، ونجح فيها على مدار أكثر من ثلاثين عاماً جلس فيها على عرش الكوميديا فى مصر، منذ ظهر الممثل، عراقى الأصل، على خشبة المسرح فى العقد الثانى من القرن العشرين ليقدم اسكتشات كوميدية يؤلفها ويخرجها بنفسه، قبل أن يتطور الأمر فيبتكر شخصية «كشكش بك»، العمدة الريفى الساذج الذى ينفق أمواله بلا حساب على الراقصات ويعود إلى قريته مفلساً، وهى شخصية حازت إعجاب الكثيرين وحققت نجاحاً وثراءً مذهلين لـ«الريحانى»، دفعته إلى أن يجعل منها الشخصية الأولى لعروضه المسرحية المختلفة، فيؤلف لها عدداً من النصوص تحت عناوين «كشكش بك فى باريس» و«أحلام كشكش بك» و«وداع كشكش بك» و«وصية كشكش بك». هذا بالإضافة إلى عدد كبير جداً من المسرحيات التى قدمها «الريحانى» وفرقته على مدار عمره، مثل أوبريت «العشرة الطيبة» الذى وضع له الألحان الموسيقار سيد درويش، ومسرحيات مثل «إش» و«لو كنت حليوة» و«حكم قراقوش» و«الستات مايعرفوش يكدبوا». هذا بالطبع غير ما يقرب من ثمانية أفلام سينمائية، وهو الفن الذى قد يستغرب البعض عندما يعرف أن «الريحانى» لم يكن يحبه، لكنه خاضه حتى لا يكون بعيداً عن مجال المنافسة. فى «سى عمر» فرصة لمشاهدة أداء رائع من «نجيب الريحانى»، وفرصة لمشاهدة النجوم الشباب وقتها «عبدالفتاح القصرى» و«سراج منير» و«مارى منيب» و«زوزو وميمى شكيب» و«استيفان روستى»، كما هو فرصة لمشاهدة تمثال «نهضة مصر» وقت أن كان يشغل ميدان باب الحديد قبل أن يوضع مكانه تمثال رمسيس، ثم يُزال هو الآخر، وفرصة أيضاً لمشاهدة تمثال سليمان باشا الفرنساوى فى الميدان الذى كان يحمل اسمه بقلب القاهرة قبل أن يتم استبدال تمثال طلعت حرب به، فيتغير اسم الميدان وشكله بالكامل.