مفاجآت ملف ومفردات «معبد» الحديد والصلب

حازم منير

حازم منير

كاتب صحفي

المُزعج فى حديث أو قرار تصفية مجمع الحديد والصلب، تلك الألفاظ التى كشفت عن مشاعر الكراهية والرفض لوجود صناعات ثقيلة فى هذا البلد، لذلك لم أندهش لتصريح وزير قطاع الأعمال العام وتوصيفه المدافعين عن المجمع بأنهم «أصحاب أيديولوجيات»، وليسوا أصحاب رؤية وطنية، أو أحاديث وكتابات البعض من مريديه بأن المجمع «ليس معبداً ولا مسجداً حتى نرفض تصفيته»، وأن المدافعين عنه «كهنة معبد يتعبدون فيه» بعيداً عن مصلحة الوطن، وهى فى الحقيقة مقولات أو صياغات تكشف بجلاء المستوى الذى وصلنا له فى رؤيتنا للمستقبل وتعاملنا مع أزماتنا، خصوصاً بعد أن طلع الوزير علينا قائلاً إن «قرار تصفية المصنع وبيعه نهائى ولا رجعة فيه»، وكأنه الأمر النهائى فى هذا البلد، ولا يوجد قيمة أو قدرة أو حق للرأى العام فى أن يناقش وأن يستمع المسئولون لرأيه ورؤيته، للوصول إلى صياغة توافقية، وهى قاعدة أساسية فى العلاقة بين الحكومات وشعوبها، بعد أن انتهت إلى غير رجعة أساليب الفرض والإجبار على الرأى العام.

تابعت التصريحات الرسمية حول الموضوع فى كل وسائل الإعلام المرئية، وقرأت ما كتبه المؤيدون أو المعارضون للقرار فى الصحف، وتأكدت أننا أمام مشهد مؤاده وهدفه تسفيه آراء المعارضين لتصفية واحدة من قلاع الصناعة الوطنية؛ لإبعاد الحوار المجتمعى الذى فرض نفسه رغم رفض الوزير له عن مساره الطبيعى، والتغطية على المبررات الحقيقية للبيع، وإبعاد الأنظار عن الأفكار الجوهرية التى يرى المعارضون أنها أسباب حقيقية لضرورات التطوير والنهوض بهذه الصناعة.

تساءلت فى مقالى السابق: هل القضية الجوهرية هى الخسائر التى تعرّض لها هذا الصرح الكبير؟ وحساب الخسائر والأرباح الرقمية، وواقع الدفاتر وما فيها من بنود؟ واستحالة النهوض به ورفض شركات عالمية المشاركة فى تطويره؟ أم أن القضية الحقيقية هى مدى احتياجنا لهذا النوع من التصنيع الثقيل؟ وتأثير هذه الصناعات على قدرتنا فى صياغة وتنفيذ برنامج التصنيع المرجو؟ وتلبية الاحتياجات المحلية ليس وفقاً لواقع قدرة المجمع الإنتاجية الآن، ولكن وفقاً لما يجب أن يكون عليه، خصوصاً ونحن نتحدث عن مستقبل وصناعات مطلوبة يمثل قرار التصفية عنصراً سلبياً فى ما يجب أن نكون عليه؟ ثم يأتى السؤال الأكبر عن البدائل الممكنة الموجودة أو المُخطط لها أو ما نفكر به ونحن نقضى على القائم قبل هده وتصفيته وبيعه، للأسف تفكير الوزير ينحاز إلى المدرسة الأولى، مدرسة الأرقام والخسائر والمكاسب المالية، على حساب المصالح الاستراتيجية.

على سبيل المثال نخطط لشبكة قطارات تقليدية، وهى شبكة لها مواصفاتها الإنشائية واحتياجاتها من مواد حديد ذى مواصفات خاصة لا تنتجها مصانع القطاع الخاص، ليبقى السؤال من أين سنلبى هذه الاحتياجات؟ وما هى كلفة استيرادها من الخارج بديلاً عن توفيرها من المُنتج المحلى؟ وكم سيزيد ذلك من كلفة العملية الإنشائية وما يتداعى عنها؟

وفى السياق المالى، وبعيداً عن تشبيك الخيوط أو إقحام ملفات فى أخرى، لكن خلال اليومين الماضيين تناهى لأسماعنا تصريحات مهمة رسمية، منها أن ديون المؤسسات القومية الصحفية للدولة بلغت قرابة الـ15 مليار جنيه، وهى ديون تتعلق بالمعاشات وبالضرائب، أى إنها انتقاص من موارد الدولة، ومن حقوق فئات أخرى بالمجتمع، وأنها ديون ممتدة منذ سنوات طويلة، بما لهذه المدة الزمنية من دلالات ومعانٍ، وما زالت الدولة تتحمل كل هذه التداعيات، وهناك حديث آخر يتعلق بتقديم 21 مليار جنيه لمساعدة ودعم المصدرين بسبب جائحة كورونا وما ترتب عليها من تداعيات سلبية وخسائر على مختلف المستويات.

واستمراراً للحديث فى هذا السياق عن انهيار مجمع الصلب، قال وزير قطاع الأعمال فى تصريحات صحفية سابقة (أغسطس 2019)، إنه تقرر الاستفادة من مخزون الخردة ببيع نحو 230 ألف طن بقيمة خمسة مليارات جنيه من بين مخزون مقدر بنحو 700 ألف طن، سيتم بيعه على التوالى، واستخدام الحصيلة فى سداد ديون الشركة، وبعد التعاقد مع المشترى تبين أن الموجود فى المخازن 41 ألف طن خردة فقط!! وبعيداً عن إبلاغ النائب العام، فالأهم كيف حدث ذلك، وأين كل هذا المخزون؟ ومن المسئول عن إهداره؟ وعن خسائر الشركة؟ وكيف حدثت تلك الواقعة المُذهلة؟ وهل لذلك علاقة بتخسير الشركة عمداً؟ أم أنه إهمال وتسيب من أعلى هرم إدارة الوزارة وحتى قاعدته؟ دون اكتراث أو وجود لنظم إدارية ناجعة فى إدارة شئون المُجمع وغيره من الصناعات.

ورغم ذلك فالمسألة ليست فى المسئولية وحدها، ورغم أهمية هذا الجانب لمحاسبة المسئول، فإن الأهم هو كيف نتعامل مع الأزمة؟ ولماذا اخترنا الطريق الأسهل بالتصفية والبيع، رغم كل هذه العلامات والدلائل، التى تؤكد أن قراراً استراتيجياً بالتطوير ممكن صدوره.

المطالبون بالحفاظ على مجمع الحديد والصلب ليسوا «كهنة معبد» ولا «أسرى أيديولوجيا» ولا «عاطفيون تسيطر عليهم الأحاسيس والمشاعر»، إنما هم أصحاب رؤية وطنية.