بين إنكار العادلي وجود قناصة وشهادة ضباط الداخلية باستخدامها.. الوزارة تكذِّب وزيرها الأسبق
المشهد يخلو من موقع لقدم، الحناجر تطلق الهتافات وكأنها سهام مصوبة تخترق الجدران، أناس ينتشرون فوق أسطح بنايات يظنونها لا تشهد عليهم يومًا، يحددون أماكن أهدافهم بدقة، يطلقون رصاصاتهم الغادرة ليقتلوا الأبرياء، أو ليطفئوا نور أعين قدَّر الله لها أن تكون مبصرة.
لم يعرف المصريون مصطلح "القناصة" إلا بحلول 28 يناير 2011، ذلك اليوم الذي كتب آخر مشهد يبصره أحمد حرارة وبدر البنداري وغيرهما ممن صادقوا الظلام طيلة حياتهم، شهادات وتصريحات من وزراء الداخلية، محمود وجدي ومنصور العيسوي ومحمد إبراهيم، الذين تولَّوا المسؤولية بعد الثورة، بأنه لا توجد قوات قناصة تابعة للوزارة في أي موضع، الكل يبحث عن "فاقئي العيون" ولا حياة لمن تنادي.
وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، الذي تسببت سياساته في غضب الشعب واشتعال الثورة في صدره، لم يكن أفضل حالًا من قرنائه، حيث أشار إلى أنه لا يوجد جهاز خاص بالقناصة في الوزارة، وأن القنص يعني استهداف شخص معيَّن، مشيرًا إلى أن الفكر الأمني لم يكن يهدف إلى إراقة الدماء، وأعلنها صريحة، خلال دفاعه عن نفسه بجلسة محاكمته: "ما عندناش قناصة".
تحقيقات النيابة في أحداث ثورة يناير هي الفيصل في الأمر، كشفت عن وجود 433 قناصًا بوزارة الداخلية، وأنهم تدخَّلوا في التعامل مع المتظاهرين خلال الأيام الأولى للثورة، إلى جانب وجود ما يعرف بـ"فرق القناصة" التي استخدمت في التعامل مع المتظاهرين، وقدَّم اللواء أحمد البغدادي، وكيل إدارة إمداد الشرطة للأسلحة، شهادته للمحكمة قائلاً إنه وفقًا للقرار الوزاري رقم 11743 لسنة 97 فإن بنادق القنص المزودة بأجهزة تنشين ورؤية ليلية تخصص لسرايا الدعم بالأمن المركزي، وإن لديها منها 369 بندقية، كما أن قطاع مباحث أمن الدولة وإدارة الأمن بمكتب وزير الداخلية لديهما أيضاً 64 بندقية قنص.
وشهادة العقيد أيمن حامد في التحقيقات أخذت في تكذيب أقوال العادلي، حيث أكد أن أسلحة القناصة المتطورة لا يسلَّح بها سوى قوة مكافحة الإرهاب التابعة لمباحث أمن الدولة، ومن بين مهامها حماية وزارة الداخلية وتأتمر بأوامر الوزير شخصيًا.
اللواء علاء بازيد، مساعد وزير الداخلية الأسبق، نفى وجود أي نوع من أجهزة القنص أو القناصة داخل وزارة الداخلية في أي من الفترات الماضية، مؤكدًا أن الشهادات التي أسفرت عنها تحقيقات النيابة، في هذا الصدد، ناتجة عن بعض الشخصيات ذات النفوس الضعيفة التي كانت تريد الاقتراب من السلطة في فترة معينة.
وشدَّد بازيد، في تصريحاته لـ"الوطن"، على أن شهادته بعدم وجود قناصة بالداخلية لم تكن للدفاع عن حبيب العادلي بأي حال من الأحوال، فهو من جنح إلى الأمن السياسي على حساب الأمن الجنائي، وهو مَن ولَّد حالة كره لدى المواطنين تجاه ضباط الشرطة وأفسد العلاقة بينهم، وهو مَن ميَّز بين الضباط أصحاب الرتبة الواحدة في الأجور، وهو من أوجد قانونًا معيبًا للشرطة يجعل الضباط، دائمًا وأبدًا، تحت سيطرته.
وأشار مساعد وزير الداخلية الأسبق إلى أن القناصة الذين ظهروا وقت أحداث الثورة كانوا من الجماعات التي رأت أن مهمتها الأولى هي كسر جهاز الشرطة الذي يعتبر العامود الفقري للدولة، وحرصت دائمًا على خلق الأزمات بين المواطنين والأمن وعدم تهدئتها مهما حدث، مؤكدًا أن ذلك يأتي في خدمة ومصلحة الدول التي لا تريد لمصر نجاحًا ولا خيرًا أو تقدمًا.