ذات ليلة لا تدرى تاريخها ولا يومها ولا تفاصيلها.. إنها ليلة من لياليها المستمرة بأحلامها المتسربة، آمالها الضائعة، ضحكاتها الصامتة، ابتساماتها المتناثرة المتكسّرة، أوراقها المليئة بالكلمات اللامكتوبة، أفكارها اللامنطوقة، أشيائها المُبعثرة التى تريدها وتخشاها، تلتقطها لتقذفها، فأصبحت الحياة لديها معادلة واحدة «الحياة تضحية والموت من أجل التضحية»، وعليها أن تضحى وتضحى وتُضحى حتى تضحى بها الحياة وتقذفها لقبر الموت.
فى هذه الليلة، كانت ترتدى الزى الأسود مصادفةً، ولعلها خطة القدر.. فجسدها مُغطَّى باللون الأسود، وقلبها يعتصر من بعض القلوب السوداء التى تحتويها ولا تحتويها، وعيناها تترقبان الليل الأسود وقراءتها التى لا تخلو من الحبر الأسود، وكتابتها التى تُحبر باللون الأسود ونظارتها السوداء التى ترتديها، وكتابها المفضل ذو الغلاف الأسود والكلمات السوداء، فتحوَّل فجأة الكون من حولها إلى لون أسود داكن مُخنق جعلها تختنق من كل هذا السواد لتذهب من كل هذا السواد وتغلق باب غرفتها خلفها وتطفئ نورها لينتشر السواد فى جميع أركان الغرفة، ولم تكتفِ بذلك فذهبت لسريرها لتنام وتغطى أفكارها وآلامها وأحزانها بالغطاء الذى يتخلله أيضاً اللون الأسود وتظل تفكر فى كل هذا السواد: متى ستتغير حياتها وترتدى الزى الأبيض لتحتمى بهذا الرجل المرتدى البدلة السوداء؟ تفكر: كيف سيكون هذا اللون الأسود؟
فربما يتحول اللون الأسود فى هذه اللحظة إلى حياة جديدة.. ونامت هذه الفتاة وهى تتمنى أن ترتدى اللون الأبيض قريباً ويرتدى حبيبها اللون الأسود فى بدلته التى سيجعلها فى قمة الجمال فسيجعل من هذا السواد اختراقاً جميلاً لألوان الحياة السوداء التى تعانيها هى وقد حدث أن ارتدت اللون الأبيض.. نامت وماتت فى وقت واحد وأصبحت محُاطة باللون الأبيض فى الليلة التالية والجميع يرتدى الأسود فقد تحقق حلمها لكن بطريقة أخرى.. فالكل يرتدى الأسود.. إلا.. هو!