مستشفى «كرداسة» المركزى.. الإرهاب ينطلق من قلب المعاناة

كتب: جهاد عباس

مستشفى «كرداسة» المركزى.. الإرهاب ينطلق من قلب المعاناة

مستشفى «كرداسة» المركزى.. الإرهاب ينطلق من قلب المعاناة

فى ساحة مركز طب الأسرة بمدينة كرداسة، اصطف عدد كبير من الأهالى فى انتظار وصول الأطباء للمركز إيذاناً ببدء العمل، شكا الأهالى الذين ازدحمت بهم الساحة من عدم وجود سيارات إسعاف لنقل المرضى، كما شكوا من عدم إجراء عمليات جراحية داخل المركز الطبى الوحيد العامل فى المدينة، من يريد منهم أن يجرى عملية جراحية عليه أن يتوجه لمستشفيات القاهرة، فيما يظل العمل داخل وحدتهم الطبية قاصراً على العيادات الخارجية التى تغلق أبوابها فى الثانية ظهراً، ويرفض العاملون بها تقديم الخدمة لأى مريض بعد ذلك التوقيت.
المركز الطبى من الخارج
ثلاثة طوابق يتكون منها مبنى المركز الطبى، تحتشد المكاتب الإدارية فى الطابق الأول منه، فيما يستقر مكتب مدير المركز وغرفة العلاج الطبيعى وغرفة الولادة المغلقة فى الطابق الثانى، أما الطابق الثالث المجهز فلا يوجد به أى طبيب على الإطلاق. «كرداسة كلها ما فيهاش إلا المركز ده» تتحدث سامية، 40 عاماً فى انتظار وصول طبيب العظام لعلاجها من آلام فى أقدامها، «رجلى وجعانى بقالها شهر، كل يوم آجى أقعد هنا فى المركز من الصبح لحد ما ييجى دورى فى الكشف بعد الضهر، وأوقات أمشى من غير كشف، وما باخدش علاج ينفع، كله مسكنات، روحت قصر العينى عاملونى وحش، والممرضات قالوا لى إنتى جاية لنا من كرداسة، ذنبنا إيه فى اللى حصل فى البلد، علشان ناس عملوا جريمة ندفع كلنا التمن ونتاخد بذنب غيرنا؟».
سامية
د. مختار، طبيب العظام الوحيد بالمركز، يتحدث عن وضع المركز قائلاً «يوم الخميس اللى فات استقبلت 150 حالة، الضغط شديد على المركز، خلصتهم كلهم على الساعة 3 العصر»، يشير «مختار» إلى أنه تأخر بعد موعد انتهاء عمله بساعتين لينتهى من الحالات، يكمل حديثه «الناس بتدفع 18 جنيه لعمل الأشعة وطبعاً ده مبلغ بسيط مقارنة باللى بيحصل فى العيادات الخاصة». أغلب المرضى الموجودين من النساء يحملن أطفالهن، أجمعوا على عدم جودة الخدمة الصحية المقدمة لهن، تقول امرأة بجسم نحيل تحمل طفلها وتنتظر الكشف عليه «اتعذبت مرتين علشان أعمل وسيلة لمنع الحمل، وكل مرة أقطع الكشف وأدخل وأتبهدل، وفى الآخر خالص اضطريت أروح لعيادة خاصة هناك الكشف لوحده بـ50 جنيه». تلتقط أم أحمد طرف الحديث فتقول «المركز ده كله بيقفل بعد الساعة 2 الضهر، وماحدش بيكشف بعد الوقت ده، الدكاترة بيمشوا زى موظفين الحكومة فى المصالح الحكومية، لو عيل تعب منك بعد الساعة واحدة الضهر لازم تاخديه على عيادة خاصة».
أحمد
«المركز مجهز بكل الأجهزة وعندنا استشارى جراحة، لكن ما بنعملش عمليات تحت أى ظروف» يتحدث مصدر طبى بالمركز رفض ذكر اسمه، يواصل «جالنا واحد مضروب بسكينة فى رقبته، دكتورة محترمة ما قدرتش تسيبه ينزف لحد الموت، نزلت فى حوش المركز ولحقته بالإسعافات الأولية وركبت له محاليل لحد ما جت عربية الإسعاف متأخرة طبعاً من أبورواش، عشان كرداسة ما فيهاش ولا عربية إسعاف». بين يديه يحمل إبراهيم الأفندى، 45 عاماً، «دوسيه» مكتظاً بالأوراق، مكاتبات وطلبات يقول «إبراهيم» إنه أرسلها لوزارة الصحة مرة بعد الأخرى منذ عام 2008 حتى الآن، يطالبهم فيها بأن يتحول المركز الطبى الذى هو بمثابة وحدة صحية إلى مستشفى مركزى، حتى يتم إجراء العمليات الجراحية فيه واستقبال حالات الطوارئ، هل يعقل أن كرداسة بكل القرى اللى حواليها مافيهاش مستشفى؟ أكثر من مليون مواطن جوه المدينة بيعانوا مع إن فيه دورين فى المركز ما بيتعملش فيهم حاجة، ومجهزين لكن مش شغالين، فيه ناس مستفيدة من إبقاء الوضع كما هو عليه علشان العيادات والمستشفيات الخاصة تكسب وتتربح من الغلابة، وفيه ناس تانية بتستغل الموقف فى الظروف دى، وبيقولوا للناس أهو شوفوا الدولة مش معبراكم، وبيحرموهم من الخدمات اللى كانوا بيقدموها فى شكل تبرعات». «ده آخر ورق معايا» يبرز «إبراهيم» مجموعة من الأوراق توضح حصوله على موافقات من وزارة الصحة بتحويل المركز لمستشفى وذلك فى عام 2011، غير أن أحداً لم يتحرك كما يقول، والسبب «الوزارات بتتغير بشكل جنونى، ومدير الإدارة الصحية هنا كمان اتغير أكتر من مرة».
خيرت
من جانبه رفض د. خالد مرتجى، مدير مركز طب الأسرة، الرد على أى سؤال يتعلق بوضع المركز وشكاوى أهالى كرداسة، قائلاً «أنا آسف جداً، ما عنديش أى تصريح من وزارة الصحة للإدلاء بأى معلومات»، أما أحمد أبوالذهب مدير الإدارة الصحية بالمدينة، فطبقاً لموظفين فى مكتبه «مش موجود فى مكتبه ومحدش بينوب عنه». لا يختلف الحال كثيراً فى وحدة غسيل الكلى التى تم إنشاؤها بالكامل من تبرعات أهالى كرداسة، الوحدة التى تقع فى الطابق الثانى من مسجد عيسى، مدخلها جانبى، وسلمها مغطى بالتراب، بداخلها غرف معالجة المياه الخاصة بغسيل الكلى، واستراحة للأطباء، وغرفة كشف، وعيادات، فيما يتكدس بمخزنها عدد كبير من الأدوية والمياه الخاصة بغسيل الكلى، بالإضافة إلى حجرة كبيرة بها 4 أجهزة خاصة بغسيل الكلى و4 أسرّة، ويتفرع منها حجرة عزل جانبية بها سرير وجهاز غسيل كلى لمصابى فيروس سى. يقول أنور إبراهيم من أهالى كرداسة الذين ساهموا بدفع تبرعات لإقامة هذه الوحدة «حلمنا إن الناس تغسل كليتها هنا، بنشوفهم وهما متبهدلين فى المواصلات، المكان بقاله سنة ونص وحاله كدة، جاهز بكل حاجة، وواخدين موافقة وزارة الصحة، ومش عارفين التشغيل واقف ليه». «التصاريح كلها خلصانة، واقفة بس على موافقة مديرية شئون الصحة، إحنا عايزين الوحدة تبقى تحت إشراف الطبيب التنفيذى، ومجلس الإدارة المسئول عنها، ودى حاجة رفضاها مديرية الشئون» يوضح أحد أعضاء مجلس الإدارة القائمين على وحدة غسيل الكلى، فيما يتفق عدد من أعضاء المجلس المحلى المنحل، وعدد من الأهالى المساهمين، ومسئول حكومى، رفضوا جميعاً ذكر أسمائهم خوفاً مما أسموه «الملاحقة الأمنية»، أن السبب الرئيسى وراء عدم فتح وحدة غسيل الكلى، هو أن عدداً من أعضاء مجلس الإدارة المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، تعنتوا فى الإجراءات مع مديرية شئون الصحة، لأنهم يريدون السيطرة الكاملة على الوحدة الصحية من الجهة التنفيذية، وينقلون لأهالى كرداسة أن الدولة هى من أوقفت الإجراءات بعد الأحداث السياسية الأخيرة. فى مكتب رئيس مركز ومدينة كرداسة، يجلس المهندس خيرى أحمد مرسى رئيس المدينة، يعيد ضبط ربطة عنقه عند التقاط كل صورة له، تحدث قائلا «كرداسة بكل القرى اللى حواليها مافيهاش مستشفى مركزى، علشان تلحق تعمل عمليات جراحية للناس، ولا حتى عمليات ولادة، الستات هنا بيتجوزوا صغيرين وبيبقى عندهم مشاكل عند الولادة، فيه ناس بيجى لها نزيف وبيفقدوا الجنين لحد ما بيتنقلوا لأقرب مستشفى، وناس كتير بتولد فى البيت ومفيش رعاية صحية ليهم»، يكمل قائلاً «الضغط كبير فعلاً البلد حتى مفيهاش قسم بوليس واحد، الناس رجعت للإجراءات العرفية بينهم وبين بعض، وبتحصل نزاعات عربية إسعاف تيجى تاخدهم، الوضع كدة خطر، أنا بطالب وزارة الصحة بتخصيص مستشفى مركزى (ب) فى كرداسة، ناخد منهم حتى الموافقة، السيد محافظ الجيزة خصص مبلغ كبيرة السنة اللى فاتت لتطوير الوحدات الصحية بكرداسة، بس بتقابلنا مشكلة كبيرة جداً، وهى إن مركز طب الأسرة بيصنف وفقاً لوزارة الصحة كوحدة صحية، فمش من حقهم هناك يجروا عمليات جراحية، كل الرعاية اللى بيقدموها رعاية بسيطة لا تتوافق مع احتياجات الناس». خارج مكتب رئيس المدينة هرول الساعى الخاص به، توقف قبل أن يقول «إنتوا بتتكلموا عن الرعاية الصحية، صح؟، وصلوا صوتى، عايز أقول إن مراتى ولدت من 3 سنين فى العربية اللى كانت بتنقلها للمستشفى، واتأخرنا عقبال ما لاقينا العربية».