الجريمة فى الأمثال الشعبية

على مدى يومين، وتحديداً فى الفترة من 27 إلى 28 مارس الحالى، تعقد أكاديمية الفنون المؤتمر العلمى الدولى الثانى للنقد الفنى، الذى ينعقد تحت عنوان «الفنون والجمهورية الجديدة.. الدور والهدف». وبناءً على دعوة كريمة من الصديقة العزيزة الأستاذة الدكتورة رانيا يحيى، أمين عام المؤتمر ورئيس قسم فلسفة الفن بأكاديمية الفنون وعضو المجلس القومى للمرأة، كان لى شرف المشاركة فى هذا المؤتمر، بورقة عمل عن «أدب الجريمة». وبهذه المناسبة واتصالاً بالموضوع ذاته، ارتأيت من المناسب أن ألقى الضوء فى هذا المقال على أحد الموضوعات التى لم تجد الاهتمام اللازم، سواء من أهل الفن أو من رجال القانون، ونعنى بذلك موضوع «الجريمة فى الأمثال الشعبية»، ناظرين فى ذلك إلى الأمثال، باعتبارها أحد أشكال الأدب الشعبى، فالأمثال الشعبية تولد من رحم ثقافة الشعوب، وتعكس خلاصة تجارب الأجداد فى جملة بسيطة، ليستفيد منها الأجيال المتلاحقة. والأمثال هى مرآة الشعوب، ومن خلالها يمكن التعرّف على قيم كل شعب وثقافته وعاداته وتقاليده. والأمثال الشعبية هى نتاج الجماعة الشعبية وخزينة حِكمها الخاصة وعصارة تاريخها وتجاربها عبر العصور. وبالتأمل فى الأمثال الشعبية فى الكثير من الثقافات والمجتمعات، والمقارنة بينها وملاحظة ما قد يكون بينها من تشابه يصل فى بعض الأحيان إلى حد التطابق، يبدو سائغاً القول إن التجربة الإنسانية لدى الشعوب تتشابه. وقد يكون التشابه بين أمثال الشعوب فى حمولتها الدلالية، وإن اختلفت الصياغة اللغوية لها (يراجع: د. مجدى محمد شمس الدين، بانوراما الأمثال الشعبية، الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2011م).

وفى ما يتعلق بالجريمة على وجه الخصوص، يمكن أن نرصد الكثير من الأمثال ذات الصلة بالسلوك الإجرامى وتصرّفات المجرمين. ومن الأمثال التى ردّدها الشعب المصرى فى هذا الصدد، نذكر المثل الشعبى الشهير «إن عشقت اعشق قمر.. وإن سرقت اسرق جمل». ولهذا المثل نظير عند الشعب المغربى الشقيق والشعب البحرينى الشقيق، حيث تتّحد فيهما عبارات هذا المثل، حيث يجرى نطقه وتداوله كما يلى: (إن سرقت اسرق دُر.. وإن زنيت ازن بحر). ويعترض البعض على هذا المثل، مبرّراً ذلك بأنه يحرّض على السرقة. وفى المقابل، يرى البعض الآخر أن هذا المثل لا يدعو إلى السرقة، ولكن إذا كنتَ لا بد فاعلها فاعملها بما تستحق، وحين نقرأ المثل لأول وهلة يمكن أن يصلنا أنه ‏يضرب‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏أخلاقى‏ ‏بشكل ما. وفى بيان ذلك، يقول أحد أصحاب هذا الاتجاه: دعنا‏ ‏ننطلق‏ ‏ابتداءً من ترجيح ‏أن‏ ‏(الأخلاق‏ ‏هى ‏الفطرة‏ ‏فى ‏جدل‏ ‏مبدع). ‏فإذا‏ ‏كان‏ ‏الأمر‏ ‏كذلك‏، ‏فهذا‏ ‏المثل‏ ‏لا‏ ‏يضرب‏ ‏الأخلاق‏، ‏ولا‏ ‏يدعو‏ ‏إلى ‏السرقة‏، ‏ولكنه‏ ‏يكشف‏ ‏الخبىء‏، ‏ويعرى ‏للمواجهة‏، ‏فكأنه‏ ‏يقول‏: ‏ ‏إن‏ ‏كنت قد ضبطت نفسك متلبساً بالرغبة فى امتلاك ما ليس لك، وبرّرت ذلك لنفسك‏ ‏فلتتقدم‏ ‏بقدر‏ ‏ما‏ ‏يحمل‏ ‏قرارك‏ ‏من‏ ‏مسئولية‏ ‏المخاطرة‏.‏ ‏وإن‏ ‏كنت‏ ‏ولا بد‏ ‏عاشقا‏ً (‏بالمعنى‏ ‏الموازى ‏للسرقة‏ وما تحمل من مغامرة واختراق‏، ‏وتخطٍّ للحواجز‏، ‏وتدبير‏ ‏للوصال‏.. إلخ‏) ‏فلتفعلها‏ مع من يستحق هذه المغامرة الجسور، وهو المحبوب الذى يستأهلها‏. هكذا، فإن هذا المثل يخاطب المرء الذى يفكر فى الإقدام على سرقة شىء تافه، عامداً وقاصداً إلى صرفه عن الانزلاق إلى سلوك هذا الفعل. ‏ففى هذه اللحظة الفارقة الفاصلة، قد يكون من المناسب تذكيره بعواقب فعله، وأن المغنم غير المشروع الذى يرغب فى الحصول عليه من وراء السرقة لا يتناسب البتة مع شدة الجزاء الذى سوف يلحق به على فعله إن اكتشف وافتضح أمره. وهكذا يكون الهدف والرسالة التى يرمى إليها المثل هى أن على المرء أن يتحمّل‏ ‏مسئولية‏ ‏قراره‏، ‏وعمق‏ ‏فعل‏ ‏إرادته‏، ‏وأن يحدّد‏ ‏أبعاد‏ ‏فعله‏ ‏حتى ‏يستبين‏ ‏أين‏ ‏هو‏؟ ‏وإلى ‏أين‏؟ ‏ولماذا‏؟ ‏فإذا‏ ‏دفع‏ ‏ثمن‏ ‏كل‏ ‏هذا‏، ‏فليكن‏ ‏الثمن‏ ‏على ‏قدر‏ ‏البضاعة‏‏.‏

إن فكرة العقوبة والردع عند الفقيه الإنجليزى «بنتام» (Bentham) والفقيه الألمانى «فويرباخ» (Feuerbach) تفترض أن المجرم يجرى حسابات المكسب والخسارة قبل الإقدام على فعله. ومن ثم، أقاما سلطة الدولة فى العقاب على أساس فكرة المنفعة. إذ يرى «بنتام» أن العقوبة المجدية هى ما كان الأذى الذى يصيب المجنى عليه بتوقيعها راجحاً فى نظره على اللذة التى يسعى إليها بارتكاب الجريمة. وبهذا الشكل، تحقّق العقوبة غرضها فى الردع عن الجريمة. أما «فويرباخ»، فقد قال بنظرية الإكراه النفسى، ومضمونها إن للعقوبة أثراً نفسياً على الناس جميعاً ينفّرهم من الجريمة ويحملهم على اتخاذ مسلك يتّفق مع القانون. إذ إنها تخلق لديهم مقاومة يواجهون بها الدوافع التى قد تغريهم لارتكاب الجريمة. ولا شك أن مثل هذه الأفكار والنظريات تفترض أن الشخص ذا النوازع الإجرامية يقوم بحسابات المكسب والخسارة قبل الإقدام على فعله. أما إذا كان يسرق شيئاً تافهاً، فهو شخص يجعلنا نحتار فى مواجهته، وما إذا كان مثل هذا الشخص يستحق العقاب أم يستحق الشفقة.