الشرق الأقصى.. مدد!!

كمال زاخر

كمال زاخر

كاتب صحفي

كانت خبرة محمد على الكبير مرتبطة بالنطاق الجغرافى الممتد من موطنه، مدينة قولة شمال اليونان، وحتى تخوم الإمبراطورية العثمانية، لذلك كانت خبراته فى تحديث مصر حين تولى حكمها (1805 - 1848) تدور فى فلك استحضار التجربة الغربية خلف حدود اليونان بامتداد أوروبا، بينما كان هناك فى الشرق الأقصى تجارب وخبرات وحضارات أخرى، لم نعرف عنها الكثير، وبقيت الصورة الذهنية عنها محتشدة بالغموض والسحر، رغم أنها كانت محل استهداف القوى الدولية الكبرى على امتداد قرون مضت، وعبر استهدافها كانت معاناتنا من حملات الغرب علينا بقصد تأمين الطريق إليها، وكانت مقصد الرحالة والمغامرين. تحتل الصين أكبر مساحات الشرق الأقصى، بنحو تسعة ملايين وستمائة ألف كيلومتر مربع، والأكثر كثافة سكانية، بمليار وأربعمائة مليون نسمة تقريباً، ومن أقدم الحضارات الإنسانية، ستة آلاف عام ويزيد، وظلت لقرون إمبراطورية مستقرة تمتلك اكتفاءً ذاتياً تحكمها منظومة أخلاقية مستمدة من معتقداتها القديمة كانت واحداً من أسباب عدم إدراكها لمعايير الغرب الذى يرفع رايات الإيمان، بينما يتعامل على الأرض بكل عنف الانتهازية والاستغلال وقهر الشعوب لتحقيق مصالحه وطموحاته التوسعية، ومواجهات الصين مع الاستعمار، وهى تجربة نحتاج إلى قراءتها والتعرف على أبعادها ودروسها. ونكتشف أن محاولات الغرب اليوم لفرض اتفاقيات التجارة الحرة وفتح الحدود أمام غزوها التجارى والاستثمارى بشروطها، هى إعادة إنتاج لما اتبعته مع الصين فى القرن 18، والتى انتهت بخضوع الصين لاتفاقات التجارة الحرة وقتها، وإجبارها على إخضاع خمسة موانئ للتجارة الدولية والسماح باستيراد الأفيون، وحرية الملاحة فى نهر اليانج تسى كيانج، وتنازلت الصين عن جزر هونج كونج لبريطانيا لتصبح قاعدة عسكرية وسياسية لها. على أن تجربة الصين فى التغلب على كل هذا، مع مرورها بتقلبات سياسية عاتية وعنيفة بدأت عام 1911 بإعلان انتهاء عصر الإمبراطورية وقيام جمهورية الصين، ثم لا تلبث أن تدخل فى صراعات وحروب أهلية تنتهى لصالح الجناح الشيوعى 1949 الذى يعلن قيام جمهورية الصين الشعبية، وبعد انتهاء الحرب الباردة بين أمريكا والمعسكر الشيوعى بسقوط الاتحاد السوفيتى وتفككه، تتبنى الصين نظام السوق 1978، مع تمسكها بنظامها السياسى، وتقوم بإدخال إصلاحات اقتصادية على نظامها، وهى خبرة نحتاج إلى معرفة تفاصيلها وآلياتها التى أوصلت الاقتصاد الصينى ليصبح ثانى أكبر اقتصاد فى العالم. فإذا كانت دورة تحديث مصر الأولى دشنها محمد على فى بواكير القرن 19 بالاتجاه غرباً، فلا شك أن الدورة الثانية فى عالم متغير لا بد أن ندشنها بالاتجاه شرقاً، وتحديداً الشرق الأقصى انطلاقاً من الصين، وعروجاً على الهند، فهما يواجهان قضايا وأزمات وواقعاً أقرب إلينا إن لم يكن أكثر حدة، فعندهم ما يتجاوز الانفجار السكانى، إذ تخطوا حاجز المليار نسمة، وعندهم التعدد الدينى إلى 400 مذهب ودين وطائفة، ولديهم فضلاً عن ذلك التعدد العرقى، كيف واجهوا كل هذا؟، وكيف تحولت هذه الإشكاليات إلى عناصر إيجابية فى خروجها من نفق التخلف والفقر وقفزاً إلى صدارة اقتصاديات العالم؟ هل نبادر بإعادة إنتاج تجربة البعثات من شباب مصر إلى الشرق الأقصى، ولدينا كوادر شبابية مسلحة بالعلم والخبرات التقنية والطموح الإيجابى، بعيداً عن صخب النخب والصراعات الضيقة؟ ظنى أن زيارة الرئيس السيسى للصين تدشن طريقاً لتأسيس الدورة الثانية لتحديث مصر بموضوعية وبقراءة صحيحة للخروج من أسر الغرب وتهديداته وضغوطاته، فهل يلتقط الخيط المشتغلون فى المجتمع المدنى فى دوائر التنمية الاقتصادية والبشرية لمزيد من البحث والدراسة والتواصل مع الدولة لترجمة هذا على الأرض؟