تسير «إنصاف» متقدمة الركب، تعرف طريقها جيداً وسط دروب القاهرة وزحامها، زالت عن نفسها رهبة الزيارة الأولى، بعد أن تعددت الزيارات، فى المرة الأولى جاءت بزوجها مريضاً بسرطان المثانة، وفى المرة الثانية أكسبتها خبرتها قدراً من الثقة فأتت بأخيها وزوجته. «سرطان المثانة» كان السبب فى أن تترك قريتها فى الواسطى ببنى سويف، لتأتى للقاهرة بحثاً عن علاج لزوج أقعده المرض وبات غير قادر على العمل: «دُخت بيه السبع دوخات وكنت بطولى معاه لحد ما ربنا نجدنى بمستشفى الحسين وعمل العملية وجلسات الكيماوى». عادت «إنصاف» إلى قريتها، انتهت من هم مرض الزوج، ليفاجئها الابن بحالة نادرة تصيب واحداً من بين كل نصف مليون شخص حول العالم، لكنها اختارت «ابن إنصاف» ليكون المصاب القادم بحساسية تمنعه من السير فى الشمس أو العمل فى الأسمنت فانتهى عهده بالعمل «فواعلى» مثل أقرانه من أهل القرية: «شغلناه فى مكتبة.. رزقه على قده بس مرتاح من وقفة الشمس وهرى جتته فى الأسمنت»، لم يبتعد المرض عن دار «إنصاف» فقد عاد يطل برأسه من جديد، لكن هذه المرة يقترب من الأخ: «لما ضاقت عليّا الدنيا ولاد الحلال عملوا لى منظار واكتشفت إنى عندى سرطان فى المثانة ومعنديش غير أختى هى اللى عارفه تروح بيّا فين»، يتحدث سيد شقيق «إنصاف» التى تتكفل بالحديث عن أخيها المريض: «غلبان مايقدرش يروح ولا ييجى ولا يعرف يتصرف فى مصر من غيرى»، المسافة بين بنى سويف والقاهرة تقطعها «إنصاف» وشقيقها وزوجته بالقطار، 13 جنيهاً يوماً بعد يوم هى «تكلفة الركوبة»، وهى كذلك أكثر ما شغل بال الثلاثة: «إحنا على الله واليوم اللى بننزل فيه للمستشفى يبقى معانا 20 جنيه تكفينا مواصلات وأكل وكل حاجة».