الطفل العائد يروى لـ«الوطن» تفاصيل 30 يوماً من الاختطاف
«خطفونى من أمام باب المدرسة أنا وزميلى داخل سيارة وعصبّوا عيننا.. واحتجزونا داخل مخزن (زبالة)، ورجل عجوز طلب منى حاجة غلط فرفضت، وضربنى بالقلم وحرقنى بالسيجارة»، بهذه الكلمات بدأ الطفل على جمال، أحد اللذين كانا مخطوفين ومحتجزين فى مخزن قمامة بالخصوص، روايته لـ«الوطن»، الطفل العائد لأسرته قال إنه رأى عشرات من الأطفال يعملون فى فرز القمامة، كانوا ينبشون فى القمامة مثل القطط لسد جوعهم، وينامون على الأرض، مقيدين بالجنازير.
قال الطفل على جمال: كنت ذاهباً كعادتى إلى مدرستى، ولكن أمى كانت مريضة فى اليوم ده، فطلبت منى الذهاب بمفردى وهى كانت معتادة على أن تصطحبنى يومياً إلى المدرسة، وتقابلت مع زميلى «أحمد»، واتفقنا على شراء كشرى، وكانت الساعة 6 صباحاً، وأثناء سيرنا فوجئنا بسيارة تقف بجانبنا، ونزل منها شخصان شالونا «هيلة بيلة» ورمونا داخل السيارة، بعدها بدقائق معدودة وضعوا كمامة سوداء على وجوهنا، وأغلقوا فمنا «ببلاستر»، وظلت السيارة تسير وقتاً طويلاً جداً وشعرنا بعد ساعة ونصف الساعة تقريباً أننا نسير فى طريق، وظلت السيارة تتأرجح بنا جميعاً، بعدها دخلت السيارة إلى مكان بداخله ضجيج وصياح وصراخ لأطفال.[SecondImage]
وواصل «على»، نزلنا من السيارة وسمعنا شخصاً يمر من حولنا بنزع الكمامات من على وجوهنا، فوجدنا مكاناً واسعاً مغلقاً، به العشرات من الأطفال كانوا حولنا يعبثون فى تلال من القمامة، وراجل شكله مقزز، شدنا من إيدينا وطلب منا التوجه معه وطلب مننا أن يفعل معنا شىء «قبيح»، فبكيت ورفضت، وإذا به يصفعنى على وجهى بشدة، وعذّبنى، وقام بحرق زميلى بالسكين، لأنه بصق فى وجهه.
وتابع: بعدها طلب منا الراجل نفسه أن نستبدل ملابس المدرسة بملابس قذرة ضخمة، واستولوا منا على الملابس وشنط المدرسة، وأخبرنا أننا سنعمل مع باقى الصبية والأطفال هناك فى فرز القمامة، من 6 صباحاً حتى 9 مساءً يومياً والأكل 3 أرغفة عيش وقطعة جبن بيضاء صغيرة، ولما كنت باجوع كنت بانبش القمامة اللى فى المكان، عشان آكل، ومفيش مياه هناك للشرب أو الاستحمام ولا يوجد حمام من الأساس، كنا بنعمل حمام فى «كيس بلاستيك» ونضعه إلى جوارنا حتى الصباح، لتأخذه سيارات القمامة التى كانت تأتى كل صباح، وفى التاسعة مساءً كان عمال المخزن يقيدوننا بالجنازير، وكنا ننام على الأرض ومفيش «غطا»، كنا بنموت من البرد، الكل كانوا بيتعاملوا معانا بكل قسوة، اللى يتعب ويكسل شوية عن العمل كان بيتحرق بالنار بالسجائر أو بالمعلقة أو السكينة، كنت كل يوم بابكى حتى الصباح، وأدعى ربنا إنى أرجع تانى لحضن بابا وماما، وأنام على سريرى، وأروح مدرستى، لأنى ماكنتش عارف إيه اللى بيحصل، أنا مش فاهم حاجة، الناس دى ليه عملت كده فينا.[FirstQuote]
أضاف «على»: «حلقوا شعرى عقب وصولى هذا المكان بالمقص، وقالوا لنا اللى هيتعب هيموت وهنرميه مع الزبالة للقطط والكلاب، هنا مفيش دكتور ولا علاج، وطلبوا مننا نلبس أى ملابس ثقيلة نجدها داخل مقلب القمامة، وبعد فترة اصطحبنى شخص من داخل هذا المخزن، وأخبرنى أنه سينقلنى إلى مخزن آخر، وبعدها فوجئت به يلقينى من السيارة أمام مدخل شارعنا، وربنا تقبّل منى الدعاء اللى كنت بادعيه يومياً قبل ما أنام»، وأوضح «على» أنه لن يذهب المدرسة مرة أخرى، خوفا من تعرضه لنفس المصير.[ThirdImage]
وذكر والده جمال عبدالحكيم، قائلاً: «تلقيت اتصالاً من زوجتى أخبرتنى أن (على) لم يعد من المدرسة يوم 16 نوفمبر الماضى وتأخر عن موعده، أسرعت إلى المدرسة وبحثت عنه هناك فى نفس المحيط، ربما سرقه الوقت، وهو يلعب مع زملائه، لم أجده، توجهت إلى منازل كل من أعرفه منهم، الكل أكد غياب (على) عن الحضور للمدرسة، وتأكدت أن مكروهاً قد أصابه، دورت فى كل المستشفيات، وفى النهاية روحت قسم الشرطة وأبلغتهم بما حدث، فطلبوا منى الانتظار حتى تمر 48 ساعة على التغيب، وبعدها بالفعل ذهبت وحررت محضراً بالواقعة، ووضعت فيه صورة (على)، وفوجئت باستدعائى من قِبل اللواء عرفة حمزة مدير المباحث، وجلس معى ساعات طويلة يتناقش معى حول ملابسات الواقعة، وطلب منى إخباره بأى اتصال تليفونى يأتى من مجهول يتعلق بالواقعة، وبالفعل تلقيت اتصالاً من مجهول أخبرنى أنه يعلم مكان (على)، أسرعت إلى اللواء عرفة، وأخبرته بما حدث، فأخذ منى الرقم، وطلب فوراً من النيابة التصريح بتحديد المعلومات الخاصة بهذا الرقم، وبعد الوصول إليه توجهت معى قوة من رجال المباحث إلى مخزن فى منطقة (نائية)، داهمت الشرطة المخزن، وبالداخل وجدت 5 أطفال مختطفين من قِبل شخص عجوز، ومعه شابان كانوا جميعاً داخل المخزن، ولكن لم نجد (على) هناك، أحد المتهمين أخبر ضباط المباحث عن مكان وجود (على)، ونحن فى الطريق إلى هناك تلقيت مكالمة من زوجتى أخبرتنى أن (على) رجع للبيت، ففرحت وسجدت لله، ثم قبّلت أيدى رجال المباحث، فلولا جهودهم كان ابنى ظل مفقوداً وماكنتش شفته تانى».[SecondQuote]
وقالت أم الطفل إنه عاد محطماً نفسياً ورفض الذهاب إلى المدرسة، لأننى وجدته بعد عودته فى حالة غريبة، كان يرتدى «جاكت» ضخماً جداً، وملابسه قذرة، ووجهه متسخاً ورائحته كريهة لا يتحمّلها بشر، إضافة إلى بعض الإصابات التى كانت فى جسده نتيجة التعذيب والحرق بالنار، وكان يستيقظ مفزوعاً من النوم كل ليلة ويرتجف، ثم يرتمى فى أحضانى، فهو منذ عودته يرفض النوم فى غرفته مع شقيقاته.