الوطنية المصرية.. دولة وهوية
واجه المصريون مصاعب وأزمات تاريخية كبرى وعديدة، وفى هذه الأزمات كانت «الوطنية المصرية» هى العاصم لنا من تآمر الخارج والطابور الخامس ومحاولة إثارة الإحن والفوضى بالداخل، حدث ذلك فى ثورة سنة 1919، حين تمكن الشعب المصرى من مواجهة أقوى إمبراطورية وقتها، بريطانيا العظمى، لحظة أن خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى وسلطانها يشمل ربع الكرة الأرضية، فانتزع المصريون منها اعترافاً باستقلال مصر فى 28 فبراير 1922، وحدث كذلك لحظة مواجهة العدوان الثلاثى سنة 1956، وبعد هزيمة 67 وصولاً إلى لحظة العبور العظيم فى السادس من أكتوبر.
وقد عايشنا جميعاً ثورة 30 يونيو، حين هبَّ عشرات الملايين يدافعون عن هويتهم وعن وطنية الدولة ضد تنظيم دولى عتيد، تبنى الإقصاء والطائفية وأعلن حرباً على الوطنية المصرية بكل مكوناتها الجغرافية والثقافية والدينية، جاء ذلك التنظيم مدعوماً بأقوى إدارة فى العالم وأذنابها فى الإقليم، وكان الشعب المصرى كريماً فقد منح ذلك التنظيم فرصة، على طريقة «خليك مع الكداب لغاية باب الدار»، عند الباب انكشف كل شىء، لكن كانت وطنية المصريين أقوى وأصلب من ميليشيا التنظيم الدولى ومن الإدارة العظمى التى دفعت به.
ولم تكن الوطنية المصرية معنية بالتهديد الخارجى والطابور الخامس فقط، أياً كان مسماه، بل كانت حاضرة فى تحديات الداخل، الاكتتاب العام لإنجاز مشروع ازدواج قناة السويس سنة 2014، حاضر فى أذهاننا جميعاً، عقب انتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسى مباشرة، استكمال بناء السد العالى بعد هزيمة يونيو وافتتاحه فى يناير 71، تأسيس بنك مصر سنة 1921، فى أثناء ثورة 19، وغير ذلك كثير.
ولعل هذا كله جعل من الوطنية والهوية المصرية هدفاً يراد ضربه وكسره من المتربصين فى الخارج، وأصحاب الهوى الأيديولوجى من متشددين وإرهابيين أو دعاة العولمة، وهم جميعاً يرون فى الوطنية إثماً و«تابوه» ينبغى كسره.
المتربصون فى الخارج نعرفهم قديماً وحديثاً، منذ التاريخ القديم حيث الهكسوس والفرس، وأولئك الذين وصفهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب «أصحاب العيون الزرق»، وأعلن رضى الله عنه أنه يخشى على مصر منهم.
أما الطابور الخامس فقد صرخ أحدهم، مطلع الأربعينات، بأن ارتباطنا بالإنجليز «زواج كاثوليكى»، واختفى هؤلاء مع زوال الاحتلال البريطانى، لكن ظهر من هو أخطر منهم، حين هتف مرشدهم: «طظ فى مصر»، وأنه يفضل أن يحكمه ماليزى. قبله سنة 1964، قال أمير التكفير لنجيب محفوظ إنه على استعداد للدفاع عن باكستان وليس مستعداً للدفاع عن سيناء
الوطنية المصرية واعتصامنا بها ضرورة لمواجهة خصوم الخارج وتحديات الداخل، الخصوم لن يكفوا عنا، والتحديات لن تتوقف، وعملية البناء والتنمية مستمرة، لذا لا بديل عن الوطنية، هوية وانتماء ومسلكاً، أيضاً ودولة.
ومن حسن الحظ أن الوعى عميق بالهوية الوطنية، لاحظ الاستجابة السريعة والعامة للدعوة الرئاسية فى أبريل الماضى للحوار الوطنى، نلاحظ كذلك أن القوى السياسية، بمختلف أطيافها ومواقعها، التقت على أنه لا مكان بيننا لأولئك الذين ناصبوا الوطن العداء، حيث تبنوا العنف والإرهاب مسلكاً وفعلاً أو فكرة ودعوة، هذا الاتفاق التلقائى يعكس تجذر الوعى بالهوية والوطنية، ويؤكد حقيقة أخرى هى أننا فيما هو سياسى أو حزبى نختلف ونتعدد، فى التعدد ثراء وخصوبة وعمق وطنى، لكننا لا تختلف حول هويتنا ولا وطنيتنا، الوطنية إطار جامع لأبناء الوطن، بلا إقصاء ولا تمييز.
التمييز على أساس العقيدة أو المذهب أو الجنس أو الثروة أو الموقع يخلق الاستقطاب والعداء، وفى الوطن متسع للجميع، وهنا تكمن عبقرية المصريين واجتماعهم داخل الوطن وعلى الوطنية آلاف السنين، تتغير الأحوال، لكن وطنيتهم باقية، مرنة ومنفتحة، قادرة على مواجهة تحديات الزمن وأعاصير التاريخ.
حمى الله مصر والمصريين.