«فلاح كان فايت بيغنّي»
عجيبة تلك المفارقة التى ظهرت فى عصر الرئيس السادات ما بين الحديث عن «أخلاق القرية» وبناء نظام سياسى يتأسس على القيم الأبوية التى ترتكز عليها القرية، والصورة السلبية التى باتت تُقدم للفلاح داخل الأفلام السينمائية والأغانى.حكيت لك عن أفلام حاولت رسم صورة سلبية للفلاح، مثل: «رجب فوق صفيح ساخن» و«عنتر شايل سيفه»، صورة تتسم بالسذاجة والشهوانية والقابلية للخداع وغير ذلك، هذان الفيلمان وغيرهما أُنتجا أواخر السبعينات وبداية الثمانينات.وعلى مستوى الأغانى انتقلنا من «محلاها عيشة الفلاح يتمرغ على أرض براح» إلى «فلاح كان فايت بيغنّى من جنب السور» فلمح إحدى الجميلات، فقطع الموال، وألقى على الجميلة البندرية تحية الصباح: «يا صباح الخير يا أهل البندر».. وظهر «حميدة» ابن حضرة العمدة الذى يطارد الجميلات بـ«اليوسفى»، وبات زملاؤه من الأفندية.
الملمح الرئيسى فى هذا الخطاب -إذا صح التعبير- هو أن الفلاح لم يعد متمرغاً على الأرض وملتحفاً بالسماء، كما كان فى الماضى، بل بات متسكعاً، يطارد «الحلوات»، ويشدو بالمواويل. ربما اعتبرت أن مثل هذه الأغانى أو الأفلام ليست دالة على شىء ذى بال، لكنك لو ربطتها بما حدث للأرض الزراعية طيلة فترة الثمانينات وما بعدها فربما وجدت لها دلالة.
خلال فترة السبعينات، اتجه «السادات» إلى تصفية الحراسات، وللإنصاف فقد كانت مسألة فرض الحراسة على الممتلكات فى الستينات يشوبها الكثير من الشوائب. وفى عام 1986 صدر القانون رقم 3 فى شأن تصفية بعض الأوضاع المترتبة على قوانين الإصلاح الزراعى، وبدأت بعض أراضى الإصلاح تُنتزع من الفلاحين، واسترجع كثيرون وقتها أيام «عبدالناصر» الذى استولى على أراضى الإقطاع ووزعها على الفلاحين الأُجراء والتملية، لتعود الدولة وتنتزع الأرض من جديد ويعود بعضها إلى الملاك القدامى.
عالج هذه المسألة بإبداع عميق الكاتب يوسف القعيد فى روايته «الحرب فى بر مصر»، والتى تحولت إلى فيلم شهير هو «المواطن مصرى» الذى أنتج عام 1991.تم أيضاً خلال هذه المرحلة تجريف آلاف الفدادين الزراعية، وتأسست أحياء سكنية كاملة على أنقاض الأرض الزراعية، وتم ردم ترع لتخطيط شوارع فى أحياء أخرى.
يكفى أن تسترجع غيطان المعادى أو البساتين أو فيصل أو غيرها من أحياء كاملة كانت فى الأصل أراض زراعية تم دهسها بالمعمار.وحقيقة الأمر أن الكل شارك فى هذا التحول، الفلاحون الذين لم يعد قطاع منهم مرتبطاً بالأرض، كما كان الآباء والأجداد، يضاف إلى ذلك أزمة السكن التى انفجرت فى السبعينات وما بعدها، وأدت إلى الزحف الأسمنتى على الأراضى الزراعية، أضف إلى ذلك التحول الكامل الذى ضرب الاقتصاد المصرى فى عصر الرئيس مبارك -رحمه الله- والذى بات يطير بجناحين: جناح العقارات.. وجناح الاتصالات.
والنتيجة أن صار وعد السكن المخملى المرفّه المزود بملاعب الجولف -غيطان الحشائش الجديدة- هو الوعد الحق من وجهة نظر الكثيرين، وأصبح الموبايل الشغل الشاغل للجميع، فى مرحلة سادها شعار: «نحب نتعرّف.. ورانا إيه.. ورانا إيه».