غصب عنى «أضحك»

كتب: محمد غالب

غصب عنى «أضحك»

غصب عنى «أضحك»

أهو بسلى نفسى بدل ما اتغم.. أُمال أنا قاعد القعدة السودا دى ليه؟ الابتسامة لا تفارق وجهه وكأنه يملك كنوز الدنيا، لا مكان للأسود فى حياته إلا فى يديه وملابسه الملطختين بصبغة الورنيش، يحسده من حوله على السعادة التى يعيش فيها، والضحكة التى لا تغيب عن وجهه. يجلس «محمد عبدالحميد عمران» على رصيف فى «باب اللوق»، يدندن مع الأغانى التى تخرج من راديو يضعه إلى جواره، يعمل أو لا يعمل، يأتيه زبون أو يعانى «وقف الحال»، الضحكة كما هى والراديو لا يتوقف، «بحب أضحك قوى وبصوت عالى، الدنيا مهيصة معايا، وربنا رزقنى، وكرمنى آخر كرم»، قالها الرجل الخمسينى، ثم ضحك وقال: «أهو بسلى نفسى بدل ما اتغم من الدنيا، أُمال أنا قاعد القعدة السودا دى ليه، الغلب والتعب وحشين، والسن له حدود، وأنا كبرت، ومفيش راحة». منذ أكثر من 20 عاماً يجلس «محمد» فى المكان نفسه، لا شىء تغير سوى سعر «تلميع الجزمة»: «دلوقتى بلمع الجزمة بجنيه أو اتنين حسب حالة الزبون». قبل أن يعمل فى تلميع الأحذية كان «عم محمد» يبيع شرائط كاسيت فى الجيزة، المصنفات أخذت كل بضاعته المقلدة، وجد نفسه فى الشارع بلا عمل فقرر أن يعمل فى الورنيش: «القعدة دى علمتنى حاجات كتير شبه بعض، اتعلمت المر والغلب والشقى والتعب، اتعلمت أتقبل الإنسان الكويس واللى مش كويس، الفرحان والنكدى». «أنا فى الأبوريا»، أغنية يدندن معها ويتمايل يميناً ويساراً على نغماتها الراقصة: «الأغانى بتخلينى أنسى وأتوه، بحب أسمع كل حاجة، وأما أكون مبسوط قوى بسمع أم كلثوم». «بلمع جزم أحمر وأصفر وأبيض، على كل لون يا باتستا، لكن أكتر حاجة أسود طبعاً»، قالها «عم محمد» وهو يأكل فول وطعمية بيديه الملطختين بسواد الورنيش.